تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
في حضور الجمع العظيم الذي يحصل القطع واليقين بقولهم ؛ لأن تخصيص مثل هذا المعجز بالواحد والاثنين لا يجوز ، ولو حدثت هذه الواقعة لتوفّرت الدواعي على نقلها ، فيصير ذلك بالغا حد التواتر ، يمتنع إخفاؤه . وأيضا فإن النصارى بالغوا في المسيح ، حتى ادّعوا ألوهيته ، ومن هذا شأنه في التعصّب يمتنع أن تخفى مناقبه ، فلما أنكروه - وهم أحق النّاس بإظهاره - علمنا أنه ما كان موجودا . وأجاب المتكلمون بأن كلامه - حينئذ - إظهار لبراءة أمّه ، والحاضرون قليلون يجوز تواطؤهم على الإخفاء ، فنسبهم الناس إلى الكذب ، أو خافوا من ذلك الأمر إلى أن أخبر به محمد صلى اللّه عليه وسلم وذلك يدل على معجزته ، وصدقه . قوله :
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ
« يكون » يحتمل التمام والنقصان ، وتقدم إعراب هذه الجمل في قصة زكريا إلا أنه قال هناك :
يَفْعَلُ ما يَشاءُ
وقال هنا
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
قيل : لأن قصّتها أغرب من قصته ؛ ذلك أنه لم يعهد ولد من عذراء لم يمسسها بشر البتة ، بخلاف الولد بين الشيخ والعجوز ، فإنه يستبعد ، وقد يعهد بمثله - وإن كان قليلا - فلذلك أتى ب « يخلق » المقتضي للإيجاد والاختراع من غير إحالة على سبب ظاهر ، وإن كانت الأشياء كلها بخلقه وإيجاده - وإن كان لها أسباب ظاهرة . قوله :
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
هذه الجملة حال ، والبشر - في الأصل - مصدر كالخلق ، ولذلك يسوّى فيه بين المذكّر والمؤنّث ، والمفرد ، والمثنى ، والجمع ، تقول : هذه بشر ، وهذا بشر ، وهؤلاء بشر . كقولك : هؤلاء خلق . قيل : واشتقاقه من البشرة ، وهي ظاهر الجلد ؛ لأنه الذي شأنه أن يظهر الفرح والغم في بشرته ، وتقدم اختلاف القرّاء في
فَيَكُونُ
وما ذكر في توجيهه . فصل قال المفسّرون : إنما قالت ذلك ؛ لأن البشرية تقتضي التعجّب مما وقع على خلاف العادة ؛ إذ لم تجر عادة بأن يولد ولد بلا أب . فصل قال القرطبيّ : « معنى قوله :
قالَتْ رَبِّ
أي : يا سيدي ، تخاطب جبريل - عليه السلام - لأنه لما تمثّل لها ، قال لها :
إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
[ مريم : 19 ] فلما سمعت ذلك من قوله استفهمت عن طريق الولد ، فقالت :
أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ؟
أي : بنكاح ، وذلك : لأن العادة التي أجراها اللّه في خلقه أن الولد لا يكون إلا من نكاح ، [ أو سفاح ] « 1 » .
هامش
( 1 ) سقط في أ .