تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
الاستئناف ، ومن منع ذلك قدّر أنّ الشاعر عطف كلامه على شيء منويّ في نفسه ، ولكن الأول أشهر القولين » . وقال الطبريّ : قراءة الياء عطف على قوله :
يَخْلُقُ ما يَشاءُ ،
وقراءة النون ، عطف على قوله :
نُوحِيهِ إِلَيْكَ .
قال ابن عطية : « وهذا الذي قاله في الوجهين مفسد للمعنى » . ولم يبين أبو محمد وجه إفساد المعنى . قال أبو حيّان « 1 » : « أما قراءة النون ، فظاهر فساد عطفه على « نوحيه » من حيث اللفظ ومن حيث المعنى ، أما من حيث اللفظ فمثله لا يقع في لسان العرب ؛ لبعد الفصل المفرط ، وتعقيد التركيب وتنافي الكلام ، وأما من حيث المعنى فإنّ المعطوف بالواو شريك المعطوف عليه في المعنى ، فيصير المعنى بقوله :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ ،
أي : إخبارك يا محمد بقصة امرأة عمران وولادتها لمريم ، وكفالة زكريا ، وقصته في ولادة يحيى ، وتبشير الملائكة لمريم بالاصطفاء والتطهير كل ذلك من أخبار الغيب - نعلمه ، أي : نعلم عيسى الكتاب ، فهذا كلام لا ينتظم [ معناه ] مع معنى ما قبله . أما قراءة الياء وعطف « ويعلّمه » على « يخلق » فليست مفسدة للمعنى ، بل هو أولى وأصحّ ما يحمل عطف « ويعلّمه » لقرب لفظه وصحة معناه - وقد ذكرنا جوازه قبل - ويكون اللّه أخبر مريم بأنه - تعالى - يخلق الأشياء الغريبة التي لم تجر العادة بمثلها ، مثلما خلق لك ولدا من غير أب ، وأنه - تعالى - يعلّم هذا الولد الذي يخلقه لك ما لم يعلّمه من قبله من الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، فيكون في هذا الإخبار أعظم تبشير لها بهذا الولد ، وإظهار بركته ، وأنه ليس مشبها أولاد الناس - من بني إسرائيل - بل هو مخالف لهم في أصل النشأة ، وفيما يعلمه - تعالى - من العلم ، وهذا يظهر لي أنه أحسن ما يحمل عليه عطف ويعلّمه » اه . قال أبو البقاء « 2 » : « يقرأ - نعلمه - بالنون ، حملا على قوله :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
ويقرأ بالياء ؛ حملا على « يبشّرك » وموضعه حال معطوفة على « وجيها » . قال أبو حيّان « 3 » : وقال بعضهم : « ونعلّمه » - بالنون - حملا على « نوحيه » - إن عني بالحمل العطف فلا شيء أبعد من هذا التقدير ، وإن عني بالحمل أنه من باب الالتفات فهو صحيح » . قال شهاب الدين « 4 » : « يتعين أن يعني بقوله : حملا ؛ الالتفات ليس إلا ، ولا يجوز أن يعني به العطف لقوله : وموضعه حال معطوفة على « وجيها » وكيف يستقيم أن يريد
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 485 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 135 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 485 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 2 / 100 .