تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
فالجواب من وجوه : أحدها : قالوا : لم يتكلم صبيّ في المهد ، وعاش ، أو لم يتكلم أصلا ، بل يبقى أخرس أبدا ، فبشّر اللّه مريم بأن هذا يتكلم طفلا ، ويعيش حتى يكلم الناس في كهولته ، ففيه تطمين لخاطرها . وثانيها : قال الزّمخشريّ وأبو مسلم : « يكلم الناس طفلا وكهلا ومعناه يتكلم في هاتين الحالتين كلام الأنبياء ، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة » . وثالثها : يكلم الناس مرة واحدة في المهد ؛ لإظهار براءة أمّه ، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة . ورابعها : قال الأصمّ : المراد منه : بيان أنه يبلغ من [ الصّبا ، إلى ] « 1 » الكهولة . وخامسها : أنّ المراد منه الرد على وفد نجران في قولهم : إن عيسى كان إلها ، فإنه منقلب في الأحوال من الصّبا إلى الكهولة ، والتغيّر على الإله محال . فإن قيل : قد نقل أن عمر عيسى - لما رفع - كان ثلاثا وثلاثين سنة وأشهرا ، وعلى هذا التقدير ، فلم يبلغ سنّ الكهولة . فالجواب : قد بيّنّا أن الكهل - في اللّغة - عبارة عن الكامل التام ، وأكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين إلى الأربعين - فصحّ وصفه بكونه كهلا . وقال الحسين بن الفضل البجليّ : « ويكون كهلا بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان ، ويكلم الناس ، ويقتل الدّجّال ، قال : وفي الآية نص على أنه - عليه السلام - سينزل إلى الأرض » . و « وجيها » اشتقاقه من الوجه ؛ لأنه أشرف الأعضاء . والجاه مقلوب منه ، فوزنه « عفل » . قوله :
فِي الدُّنْيا
متعلق ب « وجيها » ؛ لما فيه من معنى الفعل ، ومعنى كونه
وَجِيهاً فِي الدُّنْيا
بسبب النبوة ، و « في الآخرة » بسبب علوّ المنزلة . وقوله :
فِي الدُّنْيا
بأنه مستجاب الدعاء ، ويحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص بدعائه ، وفي الآخرة بأنه يشفع في المحقّين من أمته . وقيل : في الدنيا ؛ لأنه مبرأ من العيوب التي وصفته اليهود بها ، وفي الآخرة بكثرة ثوابه وعلوّ درجته . فإن قيل : كيف كان وجيها في الدنيا ، واليهود عاملوه بما عاملوه ؟ والجواب : أنه - تعالى - سمّى موسى - عليه السلام - بالوجيه ، مع أن اليهود طعنوا
هامش
( 1 ) في أ : حال .