تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
فالجواب : نعم ، إلا أن ما هو السبب المتعارف كان مفقودا في حق عيسى - عليه السلام - فكان إضافة حدوثه إلى الكلمة أكمل وأتم ، فجعل هذا التأويل كأنه نفس الكلمة ، كمن غلب عليه الجود والكرم يقال على سبيل المبالغة - : إنه نفس الجود ومحض الكرم ، فكذا ها هنا . وأيضا فإن السلطان قد يوصف بأنه ظلّ اللّه ، ونور اللّه - إذا أظهر لهم ظل العدل ، ونور الإحسان ، فكذا عيسى - عليه السلام - لما كان سببا لظهور كلام اللّه - تعالى - بكثرة بياناته ، وإزالة الشبهات والتحريفات عنه ، فسمّي بكلمة اللّه على هذا التأويل .

[ فصل في أن حدوث الولد من غير نطفة الأب ممكن ]

فصل حدوث الولد من غير نطفة الأب ممكن ، أما على أصول المسلمين ، فظاهر ؛ لأنّ اللّه تعالى قادر على كل الممكنات ، وإذا خلق آدم من غير أمّ ولا أب ، فخلقه عيسى - عليه السلام - من غير أب أولى ، وأما على أصول الفلاسفة فإنهم اتفقوا على أنه لا يمتنع حدوث الإنسان على سبيل التولّد ؛ لامتزاج العناصر الأربعة على القدر الذي يناسب بدن الإنسان ، وعند امتزاجها يجب حدوث الكيفية المزاجية ، وعند حصول الكيفية المزاجية ، يجب تعلّق النفس ، فثبت أن حدوث الإنسان - على سبيل التولد - معقول ممكن ، وأيضا إنا نشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد - كتولّد الفأر عن المدر ، والحيّات عن الشعر ، والعقارب عن الباذروج - وإذا كان كذلك فتولّد الولد لا عن أب أولى ألا يكون ممتنعا . وأيضا ، فإن التخيّلات الذهنية كثيرا ما تكون أسبابا لحدوث الحوادث الكثيرة كما أن تصور حدوث المنافي ، يوجب حصول كيفية الغضب ، ويوجب حصول السخونة الشديدة في البدن ، وكما أن اللوح الطويل إذا كان موضوعا على الأرض ، قدر الإنسان على المشي عليه ، ولو جعل كالقنطرة على وهدة لم يقدر على المشي عليه ، بل كلما يمشي سقط ، وما ذاك إلا لأن تصور السقوط يوجب حصول السقوط ، وقد ذكر الفلاسفة أمثلة كثيرة لهذا الباب ، فما المانع أن يقال : إنها لما تخيلت صورة جبريل عليه السلام [ كفى ذلك في علوق ] « 1 » الولد في رحمها ، وإذا كانت هذه الوجوه ممكنة كان القول بحدوث عيسى - من غير أب - غير ممتنع . قوله :
اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى
اسمه مبتدأ ، والمسيح خبره ، وعيسى بدل منه ، أو عطف بيان . قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون خبرا آخر ؛ لأن تعدد الأخبار يوجب تعدد المبتدأ ، والمبتدأ مفرد - وهو قوله : اسمه - ولو كان « عيسى » خبرا آخر لكان أسماؤه أو أسماؤها - على تأنيث الكلمة » وأما من يجيز ذلك فقد أعرب « عيسى » خبرا ثانيا ، وأعربه
هامش
( 1 ) في أ : إن حصل .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 222 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب