تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
فالجواب : أن هذا الكلام ونحوه ، كقوله :
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ
[ القصص : 46 ] وقوله :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ
[ يوسف : 102 ] وقوله :
ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا
[ هود : 49 ] - وإن كان انتفاؤه معلوما بالضرورة - جار مجرى التهكّم بمنكري الوحي ، يعني أنه إذا علم أنك لم تعاصر أولئك ، ولم تدارس أحدا في العلم ، فلم يبق اطلاعك عليه إلا من جهة الوحي . ومعنى الآية : ذلك - الذي ذكرناه - من حديث زكريا ويحيى ومريم - عليهم السلام - من أخبار الغيب نوحيه إليك ، وذلك دليل على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنه أخبر عن قصصهم - ولم يكن قرأ الكتب - وصدّقه أهل الكتاب بذلك . ثم قال :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ
أي : وما كنت يا محمد بحضرتهم
إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ .
أقلام : جمع قلم ، وهو فعل بمعنى مفعول ، أي : مقلوم . والقلم : القطع ، ومثله : القبض بمعنى المقبوض ، والنقض بمعنى المنقوض ، وجمع القلم على أقلام - وهو جمع قلّة - وحكى ابن سيده أنه يجمع على قلام - بوزن رماح - في الكثرة . وقيل له : قلم ؛ لأنه يقلم ، ومنه قلمت ظفري - أي : قطعته وسويته . قال زهير : [ الطويل ]
1459 - لدى أسد شاكي السلاح مقذّف * له لبد أظفاره لم تقلّم « 1 »
وقيل : سمي القلم قلما ، تشبيها بالقلامة - وهو نبت ضعيف - وذلك لأنه يرقق فيضعف .

[ فصل في المراد بالأقلام ]

فصل في المراد بالأقلام - هنا - وجوه : أحدها : التي يكتب بها ، وكان اقتراعهم أن من جرى قلمه عكس جري الماء ، فالحقّ معه ، فلما فعلوا ذلك صار قلم زكريا كذلك ، فسلموا الأمر له ، وهذا قول الأكثرين . الثاني : قال الربيع : ألقوا عصيّهم في الماء . الثالث : قال أبو مسلم : هي السهام التي كانت الأمم يفعلونها عند المساهمة ، يكتبون عليها أسماءهم ، فمن خرج له السهم سلّم إليه الأمر ، قال تعالى :
فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
[ الصافات : 141 ] . وإنما سميت هذه السهام أقلاما ؛ لأنها تقلم وتبرى ، وكلما قطعت شيئا بعد شيء فقد قلمته ، ولهذا يسمّى ما يكتب به قلما .
هامش
( 1 ) ينظر البيت في ديوانه ص 28 وشرح القصائد السبع ص 277 وشرح القصائد العشر ص 190 والبحر 2 / 474 والخزانة 3 / 16 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 219 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب