تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
يستعيذ من الشيطان ؛ لئلّا يحمله الشيطان بعد القراءة ] « 1 » على عمل محبط ثواب تلك الطّاعة . قالوا : ولا يجوز أن يكون المراد من قوله تعالى :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
أي : إذا أردت قراءة القرآن ؛ كما في قوله تعالى :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
[ المائدة : 6 ] . والمعنى : إذا أردتم القيام فتوضّئوا ؛ لأنه لم يقل : فإذا صلّيتم فاغسلوا ؛ فيكون نظير قوله :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ
وإن سلّمنا كون هذه الآية نظير تلك ، فنقول : نعم ، إذا قام يغسل عقيب قيامه إلى الصّلاة ؛ لأنّ الأمر إنّما ورد بالغسل عقيب قيامه ، وأيضا : فالإجماع « 2 » دلّ على ترك هذا الظّاهر ، وإذا ترك الظاهر في موضع لدليل ، لا يوجب تركه في سائر المواضع لغير دليل .
هامش
( 1 ) في أ : أن يستعيذ بعد القراءة . ( 2 ) الإجماع في اللغة على معنيين : أحدهما : العزم ، يقال : أجمعت المسير والأمر ، وأجمعت عليه أي : عزمت ، فهو يتعدّى بنفسه وبالحرف ، وقد جاء بهذا المعنى في الكتاب ، والسنّة ، قال تعالى :فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ[ يونس : 71 ] أي : اعزموا ، وقال - صلّى اللّه عليه وسلّم : « من لم يجمع الصّيام قبل الفجر ، فلا صيام له » ، أي : لم يعزم عليه فينويه . ثانيهما : الاتّفاق : ومنه يقال : أجمع القوم على كذا ، إذا اتّفقوا ، قال في القاموس : « الإجماع : الاتّفاق ، والعزم على الأمر » . قال الغزاليّ والإمام الرازيّ والآمديّ والعضد وغيرهم : الإجماع لغة : يقال بالاشتراك اللّفظيّ على معنيين : أحدهما : العزم على الشّيء والتّصميم عليه ؛ قال اللّه تعالى :فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ[ يوسف : 15 ] وقال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « لا صيام لمن لم يجمع الصّيام من اللّيل » ، وعلى هذا يصحّ إطلاق اسم الإجماع على عزم الواحد . والثاني : الاتّفاق : يقال : أجمع القوم على كذا ، أي : صاروا ذوي جمع كما يقال : ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر ، وعلى هذا فاتّفاق كلّ طائفة على أمر من الأمور دينيّا كان أو دنيويا ، يسمّى إجماعا ؛ حتّى اتفاق اليهود والنّصارى ، وقال صاحب « المسلّم من المسلّم » ، وحاشيته : وهو لغة : العزم والاتّفاق وكلامه من الجمع ، أي : منقول ، ومأخوذ منه ، لأن العزم باجتماع الخواطر ، والاتفاق باجتماع الأعزام ، وفيه ردّ على شارح المختصر ، حيث قال : الإجماع لغة يطلق على معنيين : أحدهما : العزم ،« فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ »، أي : اعزموا ، ومنه : « لا صيام لمن لم يجمع الصّيام من اللّيل » . وثانيهما : الاتّفاق ، وحقيقة : أجمع ، صار ذا جمع ، كألبن وأتمر ، وكلامه يفيد أنّ الإجماع مشترك معنويّ موضوع لصيرورة المرء ذا جمع ، الشّاملة لصيرورته ذا جمع لخواطره ، وصيرورته ذا جمع لعزمه أو رأيه مع أعزام القوم أو آرائهم . وقال القاضي أبو بكر الباقلانيّ : العزم يرجع إلى الاتّفاق ؛ لأنّ من اتّفق على شيء ، فقد عزم عليه ، وعلى هذا يكون العزم لازما للاتّفاق ، فالإجماع عنده حقيقة في الاتّفاق مجاز في العزم . وقال ابن أمير حاج صاحب « التقرير » : لقائل أن يقول : المعنى الأصليّ له العزم ، وأما الاتّفاق فلازم اتفاقيّ ضروريّ للعزم من أكثر من واحد ، لأنّ اتّحاد متعلّق عزم الجماعة يوجب اتّفاقهم عليه ، لا أنّ العزم يرجع إلى الاتفاق ؛ لأن من اتفق على شيء ، فقد عزم عليه ، كما ذكره القاضي ، فإنّه ليس -