الكلمة ، وتنفذ به أحكام الخليفة ، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأئمة إلّا ما روي عن
هامش
- لهذا الدين ممّن يقوم به » فبادر الكلّ إلى قبول قوله ، ولم يقل أحد : لا حاجة لنا بذلك ، بل اتفقوا عليه ، وأخذوا ينظرون فيمن يتولّى أمرهم ، وتركوا له أهم الأشياء ، وهو دفن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، واختلاف الصحابة في تعيين الخليفة لا يقدح في ذلك الاتّفاق ، ولم يزل الناس بعدهم على ذلك في كل عصر وزمن .
الثاني : أن الشارع أمر بإقامة الحدود ، وسد الثغور ، وتجهيز الجيوش للجهاد ، وكثير من الأمور المتعلّقة بحفظ النّظام ، وحماية البيضة ممّا لا يتم إلا بخليفة ؛ إذ لا يمكن لآحاد الناس أن يقوم به ، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به ، وكان مقدورا عليه - فهو واجب .
الثالث : أن في نصب الخليفة جلب منافع كثيرة ، ودفع مضارّ عديدة ، وكل ما كان كذلك فهو واجب بالإجماع ؛ وذلك لأنّا نعلم علما ضروريا أن اجتماع الناس الموصّل إلى صلاحهم في دينهم ودنياهم ، لا يتم إلا بسلطان قاهر يدرأ المفاسد ، ويحفظ المصالح ، ويمنع ما تتسارع إليه طباعهم ، وتتنازع عليه أطماعهم .
ولهذا لا ينتظم أمر أذني اجتماع ؛ كرفقة طريق بدون رئيس يقتدون برأيه ، وربما يحصل مثل هذا بين الحيوانات كالنّحل ؛ إذ لها عظيم يقوم مقام الرئيس ، ينتظم به أمرها ، فإذا هلك ، شاع بينها الانقسام والفساد .
ونوقش هذا الدليل بأن في نصب الخليفة مضارّ كثيرة ، وقد قال النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « لا ضرر ولا ضرار » .
فإن تولية الإنسان على مثله ليحكم عليه فيما يهتدي إليه ، وفيما لا يهتدي إليه ضرر لا محالة .
وقد يستنكف عنه بعض الناس ؛ كما وقع فيما مضى ، فيفضي ذلك إلى الاختلاف والفتنة ، وهذا ضرر عظيم .
ويزاد على ذلك : أن الخليفة لا تجب عصمته ، فيتصوّر منه الكفر والفسوق ، وإن لم يعزل ، أضرّ بالأمة ، وإن عزل ، أدّى ذلك إلى الفتنة ؛ لاحتياج الناس إلى محاربته .
وأجيب عن ذلك : بأن المضارّ اللازمة من ترك نصب الخليفة أكثر بكثير من المضار الناشئة من نصبه ، ودفع الضرر الأعظم عند التّعارض واجب .
قال العلامة « السعد » في « شرح المقاصد » بعد أن ذكر الأدلّة الثلاثة : وقد يتمسك بمثل قوله - تعالى - :أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْوقوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » فإن وجوب الطاعة والمعرفة يقتضي الحصول .
واستدل القائلون بوجوب نصب الخليفة عقلا : بأن طباع العقلاء توجب التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم ، وأنّ كل أمة لا تستغني عن قوّة تحمي قوانينها ، وتدير شؤون أفرادها ، وعليه فوجود الحاكم الوازع ضرورة من ضرورات الاجتماع البشري الذي تختلف فيه الأهواء ، وتتشتت الآراء ، فيكثر النزاع ، ويشتد الخصام ، وتسود الفوضى ؛ لذلك يقول الأفوه - وهو شاعر جاهلي - : ( البسيط )لا يصلح النّاس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهّالهم سادواوردّ هذا الدليل : بأنه مبني على قاعدة ( ما أدركه العقل حسنا ، فهو عند اللّه حسن ، وما أدركه قبيحا فهو عند اللّه قبيح ) .
وهي قاعدة باطلة ، إذ لو كان العقل كافيا في درك الأحكام الشرعية ، وانتظام أمر الناس في دينهم ودنياهم ، لما كان هناك حاجة لإرسال الرسل - عليهم السلام - إلى الخلق .
وهذا هو الصواب الذي تركن إليه النّفس ، ويطمئن إليه القلب ، ويخضع له الفكر السليم ؛ لأن العقول متباينة ومتفاوتة ، فربّ أمر يكون حسنا في نظر بعض العقول ، هو قبيح في نظر بعض آخر ، فكيف يدرك العقل الأحكام الشرعية ؟ وكيف يكون متعلّق المدح والثواب والذم والعقاب ؟ لا بدّ إذا في انتظام أمر المجتمع من قانون سماويّلا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ