تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
وسفكوا الدّماء ، وقتل بعضهم بعضا ، بعث اللّه « إبليس » في جند من الملائكة ، فقتلهم « إبليس » بعسكره حتى أخرجوهم من الأرض ، وألحقوهم بجزائر البحر ، وشعوب الجبال ، وسكنوا الأرض ، وخفّف اللّه عنهم العبادة ، وأعطى « إبليس » ملك الأرض ، وملك سماء الدنيا ، وخزانة الجنّة ، فكان يعبد اللّه تارة في الأرض ، وتارة في السماء ، وتارة في الجنة ، فأخذه العجب وقال في نفسه : ما أعطاني اللّه هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال تعالى لهم :
« إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً »
. وقال أكثر الصحابة والتابعين إنه قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص ، لأن لفظ الملائكة يفيد العموم . فإن قيل : ما الفائدة في أن اللّه قال للملائكة :
« إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً »
مع أنه منزّه عن الحاجة إلى المشهورة ؟ . فالجواب من وجهين : الأوّل : أنه - تعالى - علم أنهم إذا اطّلعوا على ذلك السّر أوردوا عليه ذلك السّؤال ، فكانت المصلحة تقتضي إحاطتهم بذلك الجواب ، فعرّفهم هذه الواقعة لكي يوردوا ذلك السّؤال ، ويسمعوا ذلك الجواب . والثاني : أنه - تعالى - علم عباده المشورة . قوله :
« إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً »
هذه الجملة معمول القول ، فهي في محل نصب به ، وكسرت « إنّ » هنا ، لوقوعها بعد القول المجرّد من معنى الظّنّ محكية به ، فإن كان بمعنى الظّن جرى فيها وجهان : الفتح والكسر ؛ وأنشدوا : [ الطويل ]
356 - إذا قلت أنّي آيب أهل بلدة * نزعت بها عنه الوليّة بالهجر « 1 »
وكان ينبغي أن يفتح ليس إلّا ؛ نظرا لمعنى الظن ، لكن قد يقال جاز الكسر مراعاة لصورة القول . و « إن » على ثلاثة أقسام : قسم يجب فيه كسرها ، وقسم يجب فيه فتحها ، وقسم يجوز فيه الوجهان . والضابط الكليّ في ذلك : أن كلّ موضع سدّ مسدّها المصدر ، وجب فيه فتحها ؛ نحو : « بلغني أنك قائم » ، وكلّ موضع لم يسدّ مسدّها ، وجب فيه كسرها ؛ كوقوعها بعد القول ومبتدأة وصلة وحالا ، وكل موضع جاز أن يسدّ مسدّها ، جاز الوجهان ؛ كوقوعها بعد فاء الجزاء ، و « إذا » الفجائية .
هامش
( 1 ) البيت للحطيئة ينظر ديوانه : ص 225 ، وتخليص الشواهد : ص 459 ، خزانة الأدب : 2 / 440 ، شرح التصريح : 1 / 262 ، المقاصد النحوية : 2 / 432 ، أوضح المسالك : 2 / 72 ، شرح الأشموني : 1 / 165 ، الدر المصون : 1 / 176 .