تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
من ذلك ، كلّما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح ، وضرب المثل بالبعوضة ؛ لأنّه من عجائب خلق اللّه تعالى ؛ فإنه صغير جدّا ، وخرطومه في غاية الصغر ، ثمّ إنّه مع ذلك مجوّف ، ثمّ ذلك الخرطوم مع فرط صغره ، وكونه مجوّفا يغوص في جلد الفيل والجاموس على ثخانته ، كما يضرب الرجل أصابعه في الخبيص ، وذلك لما ركّب اللّه في رأس خرطومه من السم . قوله :
فَما فَوْقَها
قد تقدّم أنّ « الفاء » بمعنى « إلى » ، وهو قول مرجوح جدّا ، و « ما » في « فما فوقها » إن نصبنا « بعوضة » كانت معطوفة عليها موصولة بمعنى « الذي » ، وصلتها الظّرف ، أو موصوفة وصفتها الظرف أيضا ، وإن رفعنا « بعوضة » ، وجعلنا « ما » الأولى موصولة أو استفهامية ، فالثانية معطوفة عليها ، لكن في جعلنا « ما » موصولة يكون ذلك من عطف المفردات ، وفي جعلنا إيّاها استفهامية يكون من عطف الجمل ، وإن جعلنا « ما » زائدة ، أو صفة لنكرة ، و « بعوضة » خبرا ل « هو » مضمرا كانت « ما » معطوفة على بعوضة .

فصل في معنى قوله : « فما فوقها »

قال الكسائيّ وأبو عبيدة ، وغيرهما : معنى « فما فوقها » واللّه أعلم : ما دونها في الصّغر ، والمحقّقون مالوا إلى هذا القول ؛ لأنّ المقصود من هذا التمثيل تحقير الأوثان ، وكلّما كان المشبّه به أشدّ حقارة كان المقصود أكمل حصولا في هذا الباب . وقال قتادة ، وابن جريج : « المعنى في الكبر كالذّباب ، والعنكبوت ، والكلب ، والحمار ؛ لأنّ القوم أنكروا تمثيل اللّه بتلك الأشياء » . قوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
. « أمّا » حرف ضمّن معنى اسم شرط وفعله ، كذا قدّره سيبويه قال : « أمّا » بمنزلة مهما يك من شيء . وقال الزّمخشريّ « 1 » : وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد ، تقول : زيد ذاهب ، فإذا قصدت توكيد ذلك ، وأنّه لا محالة ذاهب ، قلت : أمّا زيد فذاهب . وقال بعضهم : « أمّا » حرف تفصيل لما أجمله المتكلم ، أو ادّعاه المخاطب ، ولا يليها إلّا المبتدأ ، وتلزم الفاء في جوابها ، ولا تحذف إلّا مع قول ظاهر ومقدّر كقوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
[ آل عمران : 106 ] أي : فيقال لهم : أكفرتم ، وقد تحذف حيث لا قول ؛ كقوله : [ الطويل ]
329 - فأمّا القتال لا قتال لديكم * ولكنّ سيرا في عراض المواكب « 2 »
هامش
( 1 ) ينظر الكشاف : 1 / 117 . ( 2 ) البيت للحارث بن خالد المخزومي ينظر ديوانه : ص 45 ، وخزانة الأدب : 1 / 452 ، والدرر : 5 /