تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
ويقال : إنّ معنى : « ضربت له مثلا » مثّلت له مثلا ، وهذه الأبنية على ضرب واحد ، وعلى مثال [ واحد ] « 1 » ونوع واحد . والضرب : النوع ، والبعوضة : واحدة البعوض ، وهو معروف ، وهو في الأصل وصف على فعول كالقطوع ، مأخوذ من البعض ، وهو القطع ، وكذلك البضع والعضب ؛ قال : [ الوافر ]
328 - لنعم البيت بيت أبي دثار * إذا ما خاف بعض القوم بعضا « 2 »
وقال الجوهري : البعوض : البقّ ، الواحدة بعوضة ، سميت بذلك لصغرها .

فصل في استحسان ضرب الأمثال

اعلم أنّ ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول ، وقد اشتهر العرب في التمثيل بأحقر الأشياء ، فقالوا في التمثيل بالذّرّة : « أجمع من ذرّة » ، و « أضبط من ذرّة » ، « وأخفى من ذرّة » ، وفي التمثيل بالذّباب : « أجرأ من الذّباب » ، « وأخطأ من الذّباب » ، « وأطيش من الذباب » ، و « أشبه من الذباب بالذباب » ، « وألخّ من الذّباب » . وفي التمثيل بالقراد : « أسمع من قراد » ، وأضعف من قرادة ، وأعلق من قرادة ، وأغم من قرادة ، وأدبّ من قرادة . وقالوا في الجراد : أطير من جرادة ، وأحطم من جرادة ، وأفسد من جرادة ، وأصفى من لعاب الجرادة . وفي الفراشة : « أضعف من فراشة » ، و « أجمل من فراشة » ، و « أطيش من فراشة » . وفي البعوضة : « كلفني مخّ البعوضة » ، مثل في تكليف ما لا يطاق . فقولهم : ضرب الأمثال لهذه الأشياء الحقيرة لا يليق باللّه تعالى . قلنا : هذا جهل ، لأنّه - تعالى - هو الذي خلق الكبير والصغير ، وحكمه في كلّ ما خلق وبرأ عام ؛ لأنّه قد أحكم جميعه ، وليس الصغير أخفّ عليه من العظيم ، ولا العظيم أصعب عليه من الصّغير ، وإذا كان الكلّ بمنزلة واحدة لم يكن الكبير أولى من أن يضربه مثلا لعباده من الصغير ، بل المعتبر فيه ما يليق بالقضيّة ، وإذا كان الأليق بها الذّباب والعنكبوت ، ضرب المثل بهما ، لا بالفيل والجمل ، فإذا أراد أن يقبّح عبادتهم للأصنام ، ويقبّح عدولهم عن عبادة الرحمن ، صلح أن يضرب المثل بالذّباب ، ليبيّن أن قدر مضرّتها لا تندفع بهذه الأصنام ، ويضرب المثل ببيت العنكبوت ؛ ليبيّن أنّ عبادتها أوهى وأضعف
هامش
( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر البيت في اللسان ( بعض ) شواهد الكشاف : 1 / 115 ، الدر المصون : 1 / 164 ، والمحرر الوجيز : 1 / 111 .