تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
وسادسها : أن القرآن أصل للعلوم كلها ، فعلم الكلام كلّه في القرآن ، وعلم الفقه مأخوذ من القرآن ، وكذا علم أصول الفقه ، وعلم النحو ، واللغة ، وعلم الزهد في الدّنيا ، وأخبار الآخرة ، واستعمال مكارم الأخلاق . وأما الطريق الثاني : أن يقول : القرآن لا يخلو إما أن يكون بالغا في الفصاحة إلى حدّ الإعجاز ، أو لم يكن ، فإن كان الأول ثبت أنه معجز ، وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة ، فعدم إتيانهم بالمعارضة ، مع توفّر داعيهم على الإتيان بها ، أمر خارق للعادة ، فكان ذلك معجزا ، فثبت أنّ القرآن معجز على جميع الوجوه . « إن » حرف شرط يجزم فعلين : شرطا وجزاء ، فلا تقول : « إن غربت الشمس » . فإن قيل : فكيف قال هاهنا :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ
، وهذا خطاب مع الكفار ، واللّه تعالى يعلم أنهم في ريب ، وهم يعلمون ويقرون أنهم في ريب ، ومع ذلك فالتعليق حسن . فالجواب : الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية ، بل الأوضاع العربية مبنيّة على خصائص الخلق ، واللّه - تعالى - أنزل القرآن بلغة العرب ، وعلى منوالهم ، فكل ما كان في لغة العرب حسنا نزل القرآن على ذلك الوجه ، وما كان نسخا في لسان العرب لم ينزل في القرآن ، فثبت بهذا أن كل ما جاء في العادة مشكوكا فيه بين الناس ، حسن تعليقه ، سواء كان من قبل اللّه - تعالى - أو من قبل غيره ، وسواء كان معلوما للسّامع أو المتكلّم أم لا ، وكذلك حسن قولك : إن كان زيد في الدار فأكرمه ، مع أنك تعلم أن زيدا في الدار ؛ لأن حصول زيد في الدار ، شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه ، ولا يكون إلّا في المحتمل وقوعه ، وهي أم الباب ؛ فلذلك يحذف مجزومها كثيرا ، وقد يحذف الشّرط والجزاء معا ؛ قال : [ الرجز ]
287 - قالت بنات العمّ : يا سلمى وإن * كان فقيرا معدما قالت : وإن « 1 »
أي : وإن كان فقيرا تزوجته . وتكون « إن » نافية فتعمل وتهمل ، وتكون مخففة وزائدة باطّراد وعدمه ، وأجاز بعضهم أن تكون بمعنى « إذا » ، وبعضهم أن تكون بمعنى « قد » ، ولها أحكام كثيرة . و « في ريب » خبر كان ، فيتعلّق بمحذوف ، ومحل « كان » الجزم ، وهي وإن كانت ماضية لفظا فهي مستقبلة معنى . وزعم المبرد أنّ ل « كان » الناقصة حكما مع « إن » ، ليس لغيرها من الأفعال
هامش
( 1 ) البيت لرؤبة . ينظر ملحقات ديوانه : ( 186 ) ، المقرب : ( 1 / 277 ) ، شرح شواهد المغني : ( 936 ) ، المغني : ( 2 / 649 ) ، رصف المباني : ( 106 ) ، ضرائر الشعر : ( 185 ) ، التصريح : ( 1958 ) ، الدر المصون : ( 1 / 151 ) .