تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
وفي قوله :
نَزَّلْنا
التفات من الغيبة إلى التكلّم ؛ لأن قبله :
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
فلو جاء الكلام عليه لقيل : « مما نزّل على عبده » ولكن التفت للتفخيم . و « على عبدنا » متعلّق ب « نزّلنا » وعدّي ب « على » لإفادتها الاستعلاء ، كأن المنزل تمكّن من المنزول « 1 » عليه ولبسه ، ولهذا جاء أكثر القرآن بالتعدّي بها دون « إلى » فإنها تفيد الانتهاء والوصول فقط ، والإضافة في « عبدنا » تفيد التشريف ؛ كقوله : [ السريع ]
288 - يا قوم قلبي عند زهراء * يعرفه السّامع والرّائي
لا تدعني إلّا بيا عبدها * فإنّه أشرف أسمائي « 2 »
وقرىء « 3 » « عبادنا » فقيل : المراد النبي - عليه الصلاة والسلام - وأمته ؛ لأن جدوى « 4 » المنزل حاصل لهم . وقيل : المراد بهم جميع الأنبياء عليهم السلام . والعبد : مأخوذ من التعبد ، وهو التذلل ؛ قال طرفة : [ الطويل ]
289 - إلى أن تحامتني العشيرة كلّها * وأفردت إفراد البعير المعبّد « 5 »
أي : المذلّل . ولما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمّي بها أشرف الخطط سمّى نبيه عبدا . قوله :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ
جواب الشرط ، والفاء هنا واجبة ؛ لأن ما بعدها لا يصحّ أن يكون شرطا بنفسه ، وأصل « فأتوا » « إأتيوا » مثل : اضربوا ، فالهمزة الأولى همزة وصل أتي بها للابتداء بالسّاكن ، والثّانية فاء الكلمة ، فلما اجتمع همزتان ، وجب قلب ثانيهما ياء على حدّ « إيمان » وبابه ، واستثقلت « الضمة » على « الياء » التي هي « لام » الكلمة فقدرت ، فسكنت « الياء » ، وبعدها « واو » الضمير ساكنة ، فحذفت « الياء » لالتقاء ساكنين ، وضمّت « التاء » للتجانس ، فوزن « ايتوا » : « افعوا » ، وهذه الهمزة إنما يحتاج إليها ابتداء ، أما في الدّرج فإنه يستغنى عنها ، وتعود الهمزة التي هي « فاء » الكلمة ؛ لأنّها إنّما قلبت ياء للكسر الذي كان قبلها ، وقد زال نحو : « فأتوا » وبابه ، وقد تحذف الهمزة التي هي « فاء » الكلمة في الأمر كقوله : [ الطويل ]
290 - فإن نحن لم ننهض لكم فنبرّكم * فتونا فعادونا إذا بالجرائم « 6 »
هامش
( 1 ) في أ : المنزّل . ( 2 ) ينظر البحر : ( 1 / 245 ) ، القرطبي : ( 1 / 161 ) ، وروح المعاني : ( 1 / 193 ) ، والدر المصون : ( 1 / 152 ) . ( 3 ) انظر الكشاف : 1 / 97 ، والبحر المحيط : 1 / 245 ، والدر المصون : 1 / 154 . ( 4 ) في أ : حدوث . ( 5 ) ينظر ديوانه : ( 31 ) . ( 6 ) ينظر البيت في البحر : 1 / 242 ، ضرائر الشعر : ص ( 100 ) ، والدر المصون : ( 1 / 152 ) .