تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
قالوا : لأن الخبر « 1 » على هذا الوجه لا يكون صدقا إلّا إذا كان مسبوقا بالمخبر عنه ، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقا بالغير ، فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديما ، فيجب أن يكون محدثا . أجاب القائلون بقدم الكلام عنه بوجهين : الأول : أن اللّه - تعالى - كان في الأزل عالما بأن العالم سيوجد ، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل علما بأنه قد حدث في الماضي ، ولم يلزم حدوث علم اللّه تعالى ، فلم لا يجوز أيضا أن يقال : إن خبر اللّه - تعالى - في الأزل كان خبرا بأنهم سيكفرون ، فلما وجد كفرهم صار ذلك الخبر خبرا عن أنهم قد كفروا ، ولم يلزم حدوث خبر اللّه تعالى ؟ . الثاني : أن اللّه - تعالى - قال :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ
[ الفتح : 27 ] ، فلما دخلوا المسجد الحرام ، ولا بد أن ينقلب ذلك الخبر إلى أنهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول ، فإذا أجاز ذلك فلم لا يجوز في مسألتنا ؟ فإن قلت : قوله :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا »
صيغة جمع مع « لام » التعريف ، وهي للاستغراق بظاهره ، ثم إنه لا نزاع في أنه ليس المراد منها هذا الظاهر ؛ لأن كثيرا من الكفار أسلموا ، فعلمنا أن اللّه - تعالى - قد تكلّم بالعام وأراد الخاص ، إما لأجل أنّ القرينة الدالّة على أن المراد من ذلك العام ذلك الخصوص كانت ظاهرة في زمان الرّسول - عليه الصلاة والسلام - فحسن ذلك لعدم اللّبس ، وظهور المقصود ، وإمّا لأجل أنّ المتكلّم بالعام لإرادة الخاص جائز ، وإن لم يكن البيان مقرونا به عند من يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب ، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسّك بشيء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق ، لاحتمال أن المراد منها هو الخاص ، وكانت القرينة الدالة على ذلك ظاهرة في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلا جرم حسن ذلك ، وعدم العلم بوجود قرينة لا يدلّ على العدم . وإذا ثبت ذلك ظهر أنّ استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في نهاية الضعف ، واللّه أعلم .

فصل في المذهب الحق في « تكليف ما لا يطاق »

قال ابن الخطيب « 2 » : احتج أهل السّنة بهذه الآية وما أشبهها على تكليف ما لا يطاق وتقريره : أنه - تعالى - أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قطّ ، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر اللّه - تعالى - الصدق كذبا ، والكذب عند الخصم قبيح ، وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة ، وهما محالان على اللّه تعالى ، والمفضي إلى المحال محال ، فصدور الإيمان منه محال ، فالتكليف به تكليف بالمحال ، وقد يذكر هذا
هامش
( 1 ) في أ : الخبرية . ( 2 ) ينظر الفخر الرازي : 2 / 39 .