تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
الحجّة الحادية عشرة : التمسّك بقوله تعالى :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
[ المزمل : 20 ] فهذا أمر ، والأمر للوجوب ، فهذا يقتضي أن قراءة ما تيسّر من القرآن واجبة . فنقول : المراد بما تيسّر من القرآن ، إما أن يكون هو الفاتحة بعينها واجبة ، وهو المطلوب ، وإمّا يقتضي أن قراءة غير الفاتحة واجبة ، وذلك باطل بالإجماع ، أو يقتضي التخيير بين قراءة الفاتحة ، وبين قراءة غيرها وذلك باطل بالإجماع ، لأن الأمّة مجمعة على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها . وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون قراءة الفاتحة خداج ناقصة ، والتخيير بين الناقص والكامل لا يجوز . واعلم أنه إنما سمى قراءة الفاتحة قراءة لما تيسّر من القرآن ؛ لأن هذه السّورة محفوظة لجميع المكلّفين من المسلمين ، فهي متيسّرة للكل ، أما سائر السّور فقد تكون محفوظة ، وقد لا تكون ، وحينئذ لا تكون متيسّرة للكلّ . الحجّة الثّانية عشرة : الأصل بقاء التكليف ، فالقول بأنّ الصّلاة بدون قراءة الفاتحة يقتضي الخروج عن العهدة ، إما أن يعرف بالنّص « 1 » أو بالقياس « 2 » .
هامش
( 1 ) أصل النص في اللغة : الرفع ، ومنه قول عمرو بن دينار : ( ما رأيت رجلا أنصّ للحديث من الزهري ) ، أي : أرفع له وأسند . وفي الاصطلاح عند المتقدمين من الحنفية : كون المعنى مسوقا له اللفظ ، وظاهر فيه احتمل التخصيص والتأويل أو لا . وعند المتأخرين : كون المعنى مسوقا له اللفظ مع احتمال التخصيص والتأويل . وعند الشافعي - رحمه اللّه - : النص ما كان قطعيّ الدلالة . أما حكمه عند الشافعية ، فالعمل به ، لكن لا على جهة القطع ؛ لوجود الاحتمال المرجوح ، فإن رجح بدليل يعضده ، كان مؤولا مصروفا عن الظاهر ، وإن تساوى الاحتمالان ، فالوقف حتى يظهر الدليل . وأما عند الحنفية ففيه مذهبان : « الأول » مذهب مشايخ العراق ؛ منهم : أبو الحسن الكرخي ، وأبو بكر الجصاص ، ومذهب القاضي أبي زيد ومن تابعه ، وعامة المعتزلة . وهو أن الثابت بها ثابت قطعا يقينا ، واجب العمل به ، سواء أكان خاصّا - مع قيام احتمال التأويل فيه - أم عامّا - مع قيام احتمال التخصيص وذلك بناء منهم على أن لا عبرة للاحتمال البعيد ، وهو الذي لا ينشأ عن قرينة . « المذهب الثاني » وهو مذهب ما وراء النهر ؛ منهم : الإمام أبو منصور الماتريدي ، وبه قال بعض علماء الحديث ، وبعض أصحاب المعتزلة - أن حكم النص : وجوب العمل بما وضع له اللفظ لا قطعا ، ووجوب اعتقاد حقّية ما أراد اللّه - تعالى - من ذلك الحكم ، وهذا منهم بناء على أن العام - وإن خلا عن قرينة التخصيص - والخاص - وإن خلا عن قرينة التأويل - ولكن الاحتمال باق في الجملة ، وذلك ينزله عن درجة القطع ، وإن وجب العمل ، وحاصله : أن ما دخل تحت الاحتمال وإن كان بعيدا لا يوجب العلم ، بل يوجب العمل ؛ كخبر الواحد والقياس . -