[ لأن النص الذي تمسكوا به قوله تعالى :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
وقد بينا أنه دليلنا .
هامش
- مصدر « قايس » من المفاعلة لا مصدر « قاس » من الثلاثيّ ؛ لأن المساواة من الطرفين ، ومصدر الثاني قيس ، يقال : قاس يقيس قيسا ؛ فعلى هذا ، يكون لكلّ من المصدرين المذكورين فعل يخصّه ، ويكون الأول فعله رباعيّ ، وهو « قايس » ، والثاني ثلاثيّ ، وهو « قاس » ، وفي « القاموس المحيط » للفيروز آباديّ و « لسان العرب » لابن منظور ما يدلّ على أن المصدرين المذكورين أصل لفعل واحد ؛ وعلى هذا ، يقال لغة : قاس الشيء بغيره وعليه ، يقيسه قيسا وقياسا ، واقتاسه : قدّره على مثاله ، وإلى ذلك ذهب الإسنويّ ؛ حيث قال : القياس والقيس مصدران ل « قاس » ، وأكثر الأصوليّين يقولون : إنّ القياس بحسب أصل اللغة ؛ يتعدّى ب « الباء » ، وأن المستعمل في عرف الشرع يتعدّى ب « على » ؛ لتضمّنه معنى البناء والحمل .
والخلاصة : أنه يمكن القول بأنه لا حاجة إلى ذلك ؛ لأن ما ذكر في كتب اللغة المذكورة يدلّ على أن القياس يتعدّى ب « على » كما يتعدّى ب « الباء » ؛ وعليه : فلا معنى للتضمين ، إلّا أن يقال : إنّ المستعمل من القياس في عرف الشرع لا يكاد يذكر إلّا متعدّيا ب « على » .
وتنوّعت آراء الأصوليّين في حكاية معنى القياس لغة : فرأي يرى : أنه هو التقدير والمساواة والمجموع منهما ؛ وعليه ، فيكون لفظ « القياس » على هذا مشتركا لفظيّا بين هذه المعاني الثلاثة ، أي : وضع لكلّ منها بوضع ؛ لأن تعريف المشترك اللّفظيّ هو : ما اتّحد لفظه وتعدّد معناه ووضعه ؛ كما هو مبيّن في باب الاشتراك ، مثال المعنى الأوّل من الثلاثة : قست الثّوب بالذّراع .
ومثال المعنى الثاني : فلان لا يقاس بفلان ، أي : لا يساويه .
ومثال المعنى الثالث : قست النّعل بالنّعل ، أي : قدّرته به ، فساواه ، وهذا ما ذهب إليه الإمام القاضي المحقّق عضد الدّين ؛ أخذا من إيراده الأمثلة الثلاثة .
ورأي يرى : أنه حقيقة في التقدير ، مجاز لغويّ في المساواة ، وذلك باعتبار أنّ التقدير يستدعي شيئين ، يضاف أحدهما إلى الآخر بالمساواة ؛ فيكون تقدير الشيء مستلزما للمساواة ، واستعمال لفظ الملزوم في لازمه شائع ، وهذا ما ذهب إليه سيف الدّين الآمديّ في « الإحكام » ؛ وعلاقة المجاز على هذا اللازمية ، والملزوميّة .
ورأي يرى : أنه حقيقة عرفيّة ؛ وعليه جرى محبّ الدّين بن عبد الشّكور الهنديّ ، صاحب « مسلّم الثّبوت » .
وعلى هذا القول ، والقول بالمجاز ؛ فالمناسبة بين المعنى اللغوي ، وهو التقدير ، والمعنى الاصطلاحيّ إنما هي باعتبار هذا اللازم ، وهو المساواة ؛ فإن المعنى الاصطلاحي ، إما مساواة خاصّة ، فيكون من أفراد هذا اللازم ، أو يتضمّنها ويبنى عليها . ويرى فريق آخر : أنه هو مشترك معنويّ ، وهو ما اتحد لفظه ومعناه ، كما هو مذكور في « باب الاشتراك » من كتب الأصول ، لأن معنى « القياس » على هذا الرأي :
هو التقدير فقط ، وهو كلّيّ تحته فردان ؛ بحيث يطلق لفظ « القياس » عليهما ؛ باعتبار شمول معناه - الّذي هو التقدير - لهما وصدقه عليهما :
الأوّل : استعلام القدر ، أي طلب معرفة مقدار الشيء ، مثل : قست الثوب بالذّراع .
والثاني : التّسوية في مقدار ؛ مثل : قست النّعل بالنّعل ، سواء كانت التسوية حسّيّة ؛ كالمثالين السابقين ، أم معنوية ؛ كما يقال : فلان لا يقاس بفلان ، أي : لا يساويه ، ومنه قول الشاعر : [ البسيط ]خف يا كريم على عرض تدنّسه * مقال كلّ سفيه لا يقاس بكاووجه نقل القياس على هذا القول إلى المعنى الاصطلاحي ظاهر ، كما أن نقله إلى المعنى الاصطلاحي ؛ على القول بالاشتراك اللفظيّ ، إنما هو من معنى المساواة ، كما هو واضح . -