كتاب وإصلاح بين الناس أو من سنة شر كزنا وسرقة وقتل نفس بغير حق ، فاقتدى بهم من بعدهم ولهم مثل أجورهم أو عليهم مثل أوزارهم ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سن سنة حسنة يعمل بها من بعده كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا » « 1 » الحديث ، وقيل : الآثار خطأهم إلى المساجد « 2 » ، روي : « أنه ما خطا عبد خطوة إلا كتبت له بها حسنة أو سيئة » « 3 »
( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ )
أي حفظناه
( فِي إِمامٍ مُبِينٍ )
[ 12 ] أي في اللوح المحفوظ .
[ سورة يس ( 36 ) : آية 13 ]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ( 13 )
( وَاضْرِبْ لَهُمْ )
أي بين
( مَثَلًا )
أي شبها للمشركين
( أَصْحابَ الْقَرْيَةِ )
أي مثل أصحاب القرية وهي أنطاكية ، و « إذ » بدل من « أحصاب » و « إذ » الثانية بدل من الأولى في قوله
( إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ )
[ 13 ] وهم رسل عيسى عليه السّلام .
[ سورة يس ( 36 ) : آية 14 ]
إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ( 14 )
( إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ )
أي إلى أنطاكية ليدعوهم إلى الإسلام وهما ثومان وبالوس ، فلما قربا منها رأيا شيخا وهو حبيب النجار فأخبراه خبرهما ، وكان يرعى غنما له فقال : هل من آية لكما ؟ فقالا : نبرئ الأكمه والأبرص والمريض ، وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فقام صحيحا فآمن حبيب ، فبلغ الخبر إلى ملك أنطاكية فدعاهما فقال لهما : لم جئتما ؟ قالا : ندعوك إلى عبادة الرحمن فقال : ألنا رب غير آلهتنا ؟
قالا : نعم هو من أوجدك وآلهتك فمن آمن به دخل الجنة وأمن من العذاب ومن لم يؤمن به ومات دخل النار وعذب فيها أبدا فقال : قوما حتى انظر في أمركما فذهبا عنه فتبعهما الناس « 4 »
( فَكَذَّبُوهُما )
فضربوهما وحبسوهما
( فَعَزَّزْنا )
بالتخفيف ، أي غلبنا أهل أنطاكية ، وبالتشديد « 5 » بمعنى قوينا المرسلين
( بِثالِثٍ )
أي برسول ثالث وإنما ترك ذكر المفعول به ، لأن الغرض ذكر المعزز به وهو شمعون بعثه عيسى عليه السّلام بعد بعث الرسولين تقوية لهما ، فدخل منكرا وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ، وكان يدخل معهم إلى الصنم فيصلي ويتضرع مثلهم ويحسبون أنه منهم ورفعوا خبره إلى الملك فآنس به ، فقال له شمعون : بلغني أنك حبست رجلين يدعوانك إلى إله غير إلهك فهل لك أن تدعوهما فأسمع كلامهما وأخاصمهما عنك فدعاهما وأقيما بين يدي الملك ، فقال شمعون : من أرسلكما ؟ قالا : اللّه الذي خلق كل شيء وليس له شريك ، قال :
ما آيتكما ؟ قالا : ما يتمنى الملك فدعا بغلام ولد أعمى فدعوا اللّه تعالى فأبصر الأعمى ، فقال له شمعون :
أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله شرف ، قال : ليس لي عنك سر أن إلهنا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ، ثم قال شمعون لهما : إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فحيى وقام فقال : فتحت أبواب السماء فرأيت شابا أحسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة فقال الملك : من هم ؟ قال : شمعون وهذان فتعجب الملك ، فلما رأى شمعون أن قول الغلام أثر فيه نصحه فآمن وآمن معه قوم من أصحاب ، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبرائيل عليه السّلام صيحة فهلكوا « 6 »
( فَقالُوا )
أي رسل عيسى عليه السّلام بعد تقويتهم الثالث
( إِنَّا إِلَيْكُمْ )
يا أهل أنطاكية
( مُرْسَلُونَ )
[ 14 ] من اللّه فآمنوا به .
هامش
( 1 ) رواه أحمد بن حنبل ، 4 / 361 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 534 .
( 2 ) ذكر مجاهد نحوه ، انظر السمرقندي ، 3 / 95 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 534 ؛ والكشاف ، 5 / 91 .
( 3 ) عن مسروق ، انظر السمرقندي ، 3 / 95 .
( 4 ) اختصره من البغوي ، 4 / 535 .
( 5 ) « فعززنا » : قرأ شعبة بتخفيف الزاي الأولى ، والباقون بتشديدها . البدور الزاهرة ، 265 .
( 6 ) نقله عن الكشاف ، 5 / 91 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 536 .