بقوله
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى »
« 1 » ليسأل الأنبياء عليهم السّلام « 2 » عن تبليغ الرسالة وصدقهم فيها إثباتا للحجة على الكفار ، قوله
( وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ )
عطف على
« أَخَذْنا »
بطريق الالتفات من « اعتدنا » أو على من دل عليه ليسأل الصادقين ، أي فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين
( عَذاباً أَلِيماً )
[ 8 ] أي مؤلما .
[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 9 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 )
ثم أخبر عمن نقض العهد فأهلك به عبرة للمؤمنين ومنة عليهم بقوله
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ )
في الدفع عنكم يوم الأحزاب وهو يوم الخندق
( إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ )
هم أحزاب من قريش ومن تبعهم من غيرهم كبني قريظة وبني النضير اللذين عاهدوا النبي عليه السّلام على أن لا يكونوا عليه ولا معه ، فنقضوا عهودهم فجاؤوا إلى المدينة لقتال النبي عليه السّلام مع قريش وغيرهم ، وهم كانوا عشرة آلاف ، نزلوا قريبا من الغابة والنبي عليه السّلام في ثلاثة آلاف ، فخندق النبي عليه السّلام حول المدينة خندقا برأي سلمان يحول بين المسلمين والكافرين فأحصر المؤمنون بضع عشرة ليالي ، وقيل : عشرين « 3 »
( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً )
ليلا وهي ريح الصبا فأطفأت نيرانهم وأكفأت قدورهم ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور » « 4 »
( وَجُنُوداً )
أي وأرسلنا جنودا وهم ألف ملك
( لَمْ تَرَوْها )
فكبرت الملائكة في جانب عسكرهم وقلعت أوتاد خيامهم ، وقذف اللّه في قلوبهم الرعب وماجت الخيل بعضها في بعض ، فقال طلحة بن خويلد : أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجا النجا ، أي السرعة السرعة « 5 » من سحر محمد فارتحلوا ليلا منهزمين من غير قتال « 6 »
( وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً )
[ 9 ] أي عالما بأعمالكم يوم الخندق حين خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين وضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم ، وأمر بالذراري والنساء في الحصون ، واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ، وظهر النفاق من المنافقين بقولهم كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ونحن لا نقدر أن نذهب إلى الغائط .
[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 10 ]
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 )
قوله
( إِذْ جاؤُكُمْ )
بدل من « إذ جاءتكم » أو عامله مقدر ، أي اذكر إذ جاء بنو غطفان
( مِنْ فَوْقِكُمْ )
أي من أعلى الوادي من قبل المشرق
( وَ )
جاء
( مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ )
أي من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش تحزبوا ، وقالوا سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمدا
( وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ )
أي مالت وتحيرت خوفا لكثرة العدد والعدد
( وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ )
جمع حنجرة ، وهي منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب ، وهو تمثيل لشدة الخوف
( وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا )
[ 10 ] بالألف وصلا ووقفا على إشباع الفتحة ، وبحذف الألف على ترك الإشباع وهو القياس ، وبحذفها وصلا على الأصل وإثباتها وقفا إشباعا « 7 » ، والمعنى : أنكم أيها المؤمنون ظننتم ظنونا مختلفة ، إذ المؤمنون باللسان أي المنافقون ظنوا أن المسلمين يستأصلون وظن المخلصون أنهم يبتلون وينصرون .
[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 11 ]
هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً ( 11 )
( هُنالِكَ )
أي ثمة
( ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ )
الذين هم ثبتوا « 8 » القلوب والأقدام في الإيمان
( وَزُلْزِلُوا )
أي حركوا
هامش
( 1 ) الأعراف ( 7 ) ، 172 .
( 2 ) عليهم السّلام ، وي : - ح .
( 3 ) ولم أجد له مرجعا في المصادر التي راجعتها .
( 4 ) رواه مسلم ، الاستسقاء ، 17 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 3 / 41 ؛ والبغوي ، 4 / 436 ؛ والكشاف ، 5 / 36 .
( 5 ) السرعة ، و : - ح ي .
( 6 ) هذا مأخوذ عن الكشاف ، 5 / 36 .
( 7 ) « الظنونا » : قرأ المدنيان والشامي وشعبة باثبات ألف بعد النون وصلا ووقفا ، وحمزة والبصريان بحذف الألف في الحالين ، والباقون بحذفها وصلا وإثباتها وقفا وهم المكي والكسائي وحفص وخلف في اختياره . البدور الزاهرة ، 254 .
( 8 ) ثبتوا ، ح : ثبت ، وي .