لم يؤمن به آباؤهم الأقدمون لما سألوا الآية من أنبيائهم » « 1 » .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 111 ]
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 )
قوله
( وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ )
متصل بقوله « 2 » « وأقسموا باللّه » في النزول ، أي ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة كما قالوا لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا
( وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى )
بالإحياء كما طلبوا
( وَحَشَرْنا )
أي وجمعنا
( عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ )
طلبوه
( قُبُلًا )
بضمتين جمع قبيل ، أي قبيلا قبيلا بمعنى فوجا فوجا ، وبكسر القاف وفتح الباء « 3 » ، أي معاينة ، مصدر في معنى الحال من
« كُلَّ شَيْءٍ »
، المعنى : أنا لو جئناهم بما طلبوه كله ورأوا ذلك عيانا ليؤمنوا بأنك رسول اللّه
( ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ )
أي إلا في حال مشية اللّه
( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ )
أي أكثر الكفار
( يَجْهَلُونَ )
[ 111 ] فيقسمون باللّه جهد أيمانهم على ما لا يعلمون من حال أفئدتهم عند نزول الآيات .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 112 ]
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 )
قوله
( وَكَذلِكَ )
تسلية للنبي عليه السّلام ليصبر على عداوتهم ، أي كما جعلنا لك أعداء
( جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ )
قبلك
( عَدُوًّا )
نصب بأنه المفعول الأول « 4 » ، وما قبله الثاني ، وأبدل من
« عَدُوًّا »
( شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ )
قيل : كل عات شيطان ، فللآنس شياطين كما أن للجن شياطين ، وشيطان الإنس أشد من شيطان الجن في الإضلال « 5 » ، قال عليه السّلام لأبي ذر : « هل تعوذت من شيطان الإنس ؟ قال : أو للإنس شيطان ؟ قال : هم شر من شيطان الجن » « 6 »
( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ )
في محل النصب على الحال من
« شَياطِينَ »
أو صفة ل
« عَدُوًّا »
، أي يوسوس ، فيلقي شياطين الجن إلى شياطين الإنس وبالعكس
( زُخْرُفَ الْقَوْلِ )
أي مزينة
( غُرُوراً )
أي خدعا مفعول له أو نصب على المصدر ، يعني يزين القول باطلا يغرهم بذلك غرورا ، ويغريهم على المعاصي وأصل الزخرف الذهب المزين
( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ )
أي ما فعلوا الإيحاء من الزخرف والغرور ولمنعهم « 7 » من الوسوسة ، ولكن اللّه يمتحن قلوبهم بما يعلم أنه أبلغ في الحكمة وأجزل في الثواب وأشد في العقاب
( فَذَرْهُمْ )
أي فدعهم
( وَما يَفْتَرُونَ )
[ 112 ] أي وما يكذبون من القول والغرور .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 113 ]
وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ( 113 )
قوله
( وَلِتَصْغى )
عطف على
« غُرُوراً »
، أي ليغروا ولتصغى أو تقديره : وفعلنا لتصغى ، أي تميل
( إِلَيْهِ )
أي إلى الإيحاء السوء أو إلى زخرف القول ، واللام للصيرورة
( أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ )
أي قلوب الكافرين
( بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ )
أي وليقبلوه لأنفسهم من الشياطين
( وَلِيَقْتَرِفُوا )
أي ليكتسبوا « 8 » من الآثام
( ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ )
[ 113 ] أي مكتسبون ، يعني ليعملوا ما شاؤوا من المعاصي فيجازيهم بأعمالهم في الآخرة .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 114 ]
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114 )
( أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي )
أي قل يا محمد أأتبع أهواءكم ، أفغير اللّه أطلب
( حَكَماً )
حال من « غير اللّه » المفعول به ،
هامش
( 1 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 2 / 405 .
( 2 ) متصل بقوله ، ب : متصل لقوله ، س م .
( 3 ) « قبلا » : قرأ المدنيان والشامي بكسر القاف وفتح الباء ، والباقون بضمهما . البدور الزاهرة ، 109 .
( 4 ) المفعول الأول ، ب س : مفعول أول ، م .
( 5 ) وهذه الأقوال مأخوذة عن السمرقندي ، 1 / 508 .
( 6 ) أخرج نحوه أحمد بن حنبل ، 5 / 178 ، 265 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 406 - 407 .
( 7 ) ولمنعهم ، ب : ويمنعهم ، س م ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 508 .
( 8 ) أي ليكتسبوا ، س : أي يكتسبوا ، ب م .