لأسلمنا « 1 » ، فهم النبي عليه السّلام أن يفعل ذلك رجاء حسن إسلامهم ، فنهى اللّه عن طردهم تكريما لهم « 2 » ، ثم وصفهم بالإخلاص في العمل بقوله
( يُرِيدُونَ )
بعملهم
( وَجْهَهُ )
أي ذاته تعالى لا شيئا آخر منه ، وهو نصب على الحال من ضمير « يدعون » ، ثم تكلموا في دينهم وطعنوا في إخلاصهم عند النبي عليه السّلام فنزل « 3 »
( ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ )
مبتدأ ، و
« مِنْ »
زائدة و
« عَلَيْكَ »
خبره ، و
« مِنْ حِسابِهِمْ »
بيان له ، أي حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك إن كان في باطنهم أمر غير مرضي
( وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ )
أي وحسابك عليك لا يتعداك إليهم ، والجملتان بمنزلة جملة واحدة في قصد معنى واحد ، وهو لا يؤاخذ كل منكما بحساب صاحبه كقوله
« وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى »
« 4 » ، يعني لا يلزمك الا اعتبار الظاهر وسيرة الأتقياء « 5 » وإن كان لهم باطن غير مرضي ، قوله
( فَتَطْرُدَهُمْ )
نصب في جواب النفي ، أي لا تكلف أمرهم فتطردهم من مجلسك
( فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ )
[ 52 ] إن طردتهم من مجلسك .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 53 ]
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 )
ثم قال تعالى
( وَكَذلِكَ )
أي ومثل « 6 » ذلك الاختبار « 7 »
( فَتَنَّا )
أي اختبرنا
( بَعْضَهُمْ )
أي بعض الناس
( بِبَعْضٍ )
يعني ابتلينا الغني بالفقير والشريف بالوضيع ، فإذا رأى الأغنياء الفقراء أو الشرفاء « 8 » الوضعاء سبقوهم بالإيمان امتنعوا أن يؤمنوا تكبرا ، أي خذلناهم بالافتنان
( لِيَقُولُوا )
أي المشركون احتقارا بهم
( أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا )
أي أنعمهم اللّه بالإسلام دوننا ، وفضلهم علينا ولو كان الإيمان خيرا ما سبقونا إليه ، ثم قال مستفهما تقريرا
( أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ )
[ 53 ] أي بمن يعرف اللّه ويشكر نعمته منكم من غيرهم ، وأعمل « أعلم » في
« بِالشَّاكِرِينَ »
، لأنه ظرف ولا يعمل أفعل التفضيل في المفعول الصريح .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 54 ]
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 )
قوله
( وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا )
وهم الضعفة من المسلمين ، نزل إكراما لهم « 9 » ، أي إذا أتاك المقرون بالقرآن العاملون به
( فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ )
أي ابتدئهم « 10 » بالسلام إكراما لهم وتطييبا لقلوبهم وبشرهم بقولك لهم
( كَتَبَ رَبُّكُمْ )
أي أوجب
( عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ )
لكم بقبول توبتكم وعذركم
( أَنَّهُ )
بفتح « أن » بدلا من
« الرَّحْمَةَ »
، وبكسرها « 11 » استئناف ، فكأن سائلا قال ما الرحمة ؟ فقيل إنه ، أي إن الشأن
( مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً )
أي ذنبا
( بِجَهالَةٍ )
أي جاهلا بتحريمه أو جاهلا بجلالة ربه لإيثاره المعصية على طاعته
( ثُمَّ تابَ )
أي رجع إليه
( مِنْ بَعْدِهِ )
أي بعد عمله « 12 » المعصية
( وَأَصْلَحَ )
أي أخلص العمل تائبا
( فَأَنَّهُ )
بالفتح على أنه مع ما بعده « 13 » مبتدأ وخبره محذوف ، تقديره « 14 » : فله أنه ، وبالكسر « 15 » استئنافا ، أي إن اللّه
( غَفُورٌ )
بالتجاوز عن ذنبه
( رَحِيمٌ )
[ 54 ]
هامش
( 1 ) لأسلمنا ، ب م : أسلمنا ، س .
( 2 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 1 / 487 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 182 - 184 ؛ والبغوي ، 2 / 362 ؛ والكشاف ، 2 / 68 .
( 3 ) لعل المفسر اختصره من الكشاف ، 2 / 68 ، 69 .
( 4 ) فاطر ( 35 ) ، 18 .
( 5 ) وسيرة الأتقياء ، ب م : والاتسام بسيرة الأتقياء ، س .
( 6 ) أي ومثل ، ب س : أي مثل ، م .
( 7 ) ذلك الاختبار ، ب س : ذلك الاختيار ، م .
( 8 ) أو الشرفاء ، ب س : والشرفاء ، م .
( 9 ) اختصره المصنف من السمرقندي ، 1 / 487 ؛ والكشاف ، 2 / 69 .
( 10 ) ابتدئهم ، ب س : ابتدأ لهم ، م .
( 11 ) « أنه » : قرأ نافع وأبو جعفر والشامي وعاصم ويعقوب بفتح الهمزة ، والباقون بالكسر . البدور الزاهرة ، 103 .
( 12 ) عمله ، ب م : علمه ، ب .
( 13 ) مع ما بعده ، ب س : - م .
( 14 ) تقديره ، ب س : أي ، م .
( 15 ) « فإنه » : قرأ الشامي وعاصم ويعقوب بفتح الهمزة ، والباقون بالكسر . البدور الزاهرة ، 103 .