( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ )
أي يصرف عنهم
( يَوْمَئِذٍ )
أي يوم قتالهم
( دُبُرَهُ )
أي ظهره منهزما ليلا أو نهارا
( إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ )
نصب على الحال من الضمير الفاعل ، أي إلا منصرفا بعد الفرار يريد الكرة للقتال ، يعني بأن يخدعهم ويريهم الفرة وهو يريد الكرة
( أَوْ )
إلا
( مُتَحَيِّزاً )
من حازه يحوزه إذا ضمه ، وأصله متحيوز ، أي إلا منضما إذا كان منفردا من فئة هو فيها
( إِلى فِئَةٍ )
أي جماعة من أصحابه يمنعونه من العدو
( فَقَدْ باءَ )
أي رجع
( بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ )
أي باستحقاقه
( وَمَأْواهُ )
أي مستقره
( جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )
[ 16 ] هي ، قال ابن عباس : « إن الفرار من الزحف من أكبر الكبائر » « 1 » ، يعني به إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ، قيل : « حكم هذه الآية عام في كل فار » « 2 » ، وقيل : « خاص بيوم بدر » « 3 » ، « لأنهم لم ينحازوا إلا إلى المشركين ، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم لينحازوا إليهم » « 4 » ، فأما بعد فالمسلمون فئة لكل فار فلا يكون كبيرة ، وقيل : هي منسوخة بقوله « 5 »
« الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ »
« 6 » .
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 17 ]
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 )
قوله
( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ )
بقوتكم لضعفكم عن قتلهم ، نزل حين افتخروا بعد انهزام قوم بدر من المشركين بقولهم قتلنا فلانا وقتلنا فلانا نهيا عن الافتخار والإعجاب بأنفسهم « 7 » ، والفاء فيه في جواب شرط محذوف ، تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم
( وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ )
بنصره إياكم ، وذلك بانزال الملائكة وإلقاء الرعب في قلوبهم وتشجيع أنفسكم على القتال باذهاب الفزع والجزع عنكم ، روي : أن النبي عليه السّلام لما التقى الجمعان أخذ قبضة من حصباء الوادي فرمى بها في وجوه الكافرين ، وقال : شاهت الوجوه فلم يبق كافر منهم إلا شغل بعينه فانهزموا فأتبعهم المسلمون بالقتل والأسر ، فقال لهم فلم تقتلوهم « 8 » ، وقال للنبي على السّلام
( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ )
أي لم يفعل رميك بالكافرين ما فعلت بقوتك ، لأن قوة البشر لا تؤثر ذلك الأمر العظيم
( وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى )
بفتح النون وتشديدها ، ونصب
« اللَّهَ »
، وقرئ بكسرها والتخفيف ورفع « اللّه » « 9 » ، أي ولكن اللّه فعل الرمي وأثر رميته فيهم ليقهر الكافرين فأثبت الرمية للنبي عليه السّلام صورة ونفاها عنه حقيقة لضعف الطاقة البشرية عنها ، فكان الفاعل في الحقيقة هو اللّه تعالى ، قوله
( وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ )
عطف على « ليقهر » المقدر المذكور ، وهو من الإبلاء بمعنى الإعطاء ، أي ليعطي الموحدين باللّه
( مِنْهُ )
أي من فضله
( بَلاءً حَسَناً )
أي عطاء جميلا ، وهو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة
( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ )
لدعاء الرسول عليه السّلام
( عَلِيمٌ )
[ 17 ] بنيته وبإجابة دعائه .
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 18 ]
ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ( 18 )
( ذلِكُمْ )
أي البلاء الحسن ، خبر مبتدأ محذوف ، أي الغرض ذلكم ، قوله
( وَأَنَّ )
بالفتح مع ما بعده ، عطف على « ذلكم » ، أي والغرض أن
( اللَّهَ مُوهِنُ )
أي مضعف
( كَيْدِ الْكافِرِينَ )
[ 18 ] ببدر ، قرئ بالتخفيف والتشديد
هامش
( 1 ) انظر الكشاف ، 2 / 160 .
( 2 ) أخذه عن البغوي ، 2 / 609 - 610 ؛ وقال الحسن نحوه ، انظر السمرقندي ، 2 / 10 .
( 3 ) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، 2 / 10 .
( 4 ) عن أبي نضرة ، انظر السمرقندي ، 2 / 10 .
( 5 ) عن أبي أبي رباح ، انظر البغوي ، 2 / 610 ؛ وانظر أيضا النحاس ، 149 - 151 .
( 6 ) الأنفال ( 8 ) ، 66 .
( 7 ) عن مجاهد ، انظر البغوي ، 2 / 610 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 11 .
( 8 ) أخذه المصنف عن البغوي ، 2 / 611 .
( 9 ) « ولكن اللّه رمى » : قرأ الشامي والأخوان وخلف بتخفيف نون « ولكن » وكسرها وصلا ورفع لفظ الجلالة ، والباقون بتشديد النون وفتحها ونصب لفظ الجلالة . البدور الزاهرة ، 129 .