وانما يملكها من كان واجب الوجود فلا بد وأن يتصف بوصف
( الْقُدُّوسِ )
في ذاته ولا يكون في وصفه حادث لاتصافه بوصف
( الْعَزِيزِ )
ومن عزته تنزه عن العبث والسفه فاتصف بوصف
( الْحَكِيمِ )
في أفعاله
( هُوَ الَّذِي بَعَثَ )
باعتبار هذه الأسماء إذ الملك يبعث إلى الرعايا والقدوس لا يظلم بتعذيب الغافل عن التكليف ولا قبل التكليف ولا تصلح الافعال بدونهما والعزيز يقتضى العبودية والعبادة امتثال الامر فلا بد من ايصاله إلى المأمور والحكيم لا يعطل الجزاء الذي به صلاح المعاش والمعاد
( فِي الْأُمِّيِّينَ )
الذين هم أحوج إلى الرسول سيما وقد تغيرت الملل السابقة وانما بعث
( رَسُولًا مِنْهُمْ )
ليعلم أن ما ظهر على يديه من العلوم الشريفة انما هي من تعليم الحق كيف ولو كانت من تعليم الخلق لم تكن آياته لكنه
( يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ )
ليست من قبيل السحر إذ لا يفيد التزكية لكنه
( يُزَكِّيهِمْ )
على أنه انما يتوهم في المعجزات الفعلية
( وَ )
هو
( يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ )
ليس اعجازه بمزيد فصاحته بل لتضمنه
( الْحِكْمَةَ )
التي يعجز عنها الحكماء الماضون وكيف يكون سحرا وقد أفاد الهداية في العموم
( وَإِنْ )
أي وانهم
( كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَ )
انما عمت الهداية لأنها لم تختص بالحاضرين بل عمت
( آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ )
إلى الآن
( وَ )
ليس فيه شئ من القاء الشيطان إذ
( هُوَ الْعَزِيزُ )
فلا يغلبه الشيطان وهو وان أمكنه من الاغواء فلا يمكنه في المعجزات لأنه
( الْحَكِيمُ )
فلا يمكنه من اغواء لا يمكن المكلف التخلص عنه وكيف يكون اغواء مع ما فيه من الفضل بالهداية ولا ينسب إلى الشيطان بل
( ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ )
وهو وان كان على غاية الجود فلا يجود بالارسال على الكل بل
( يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ )
لكنه يتفضل على الكل بالارسال إليهم إذ
( اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ )
فلا بد له من عموم وخصوص فان زعموا انه لو كان فضلا لاخذ به أهل التوراة ولكن أكثرهم على انكاره يقال انما يأخذ به من بقيت انسانيته لا من صار إلى الحمارية لكن
( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ )
أي كلفوا لأن يتصفوا بما فيها من الاخلاق الجميلة والأعمال الصالحة بعد حمل ألفاظها
( ثُمَّ )
بعد حمل ألفاظها
( لَمْ يَحْمِلُوها )
أي لم يتصفوا بما فيها
( كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً )
منها يتعب بحملها ولا ينتفع بما فيها ولا يبعد اتفاق جمهور هؤلاء على ترك الفضل الإلهي لمثلهم إلى الحمارية المرجحة للمال والجاه على تحصيل فضل اللّه فإنه
( بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ )
فلا يبعد منهم الاتفاق على هذا القبيح
( وَ )
لا يبعد أن لا يهتدوا إلى الفضل الإلهي بعد ما ظلموا بآيات التوراة إذ
( اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
للاعتراف بهذا الفضل الإلهي فان زعموا أنهم لم ينتقلوا إلى الحمارية بل صاروا إلى أعلى مراتب الانسانية وهي الولاية
( قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا )
مجرد اليهودية لا يقتضى الولاية فضلا عن حصرها
( إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ )
بمجرد كونكم هودا
( أَوْلِياءُ )
خاصة
( لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ )
أي مجاوزة تلك الولاية سائر الناس
( فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ )
فان الولي لا بد وان يشتاق إلى لقاء اللّه ويعلم أنه لا يحصل الا بالموت فلا بد وأن يميل طبعه اليه وان كان مكروها شرعا فيحصل لكم الموت عقيبه بالدعوة النبوية لكن لا تتركون لذلك هذا التمني
( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )
في هذه الدعوى
( وَ )
لكنهم
( لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً )
لا في وقت علموا الدعوة