تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
( ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا )
يعلمهم ما يفيدهم صور الطاعة بصور العمل أو المعصية وقبل ذلك انما يتصوّر بصورة العمل لا من حيث الطاعة أو المعصية إذ يكون من قبيل تكليف الغافل وليس المراد غفلة من لا يبالي فإنه سبب الاهلاك
( وَ )
لذلك
( إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها )
أي متنعميها بالطاعة فعفلوا عن أمرنا
( فَفَسَقُوا فِيها )
فتتصوّر أرواحهم أو قلوبهم أو نفوسهم بالصورة القبيحة عن مخالفة الامر
( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ )
أي قول العذاب بتصوّرهم بصور تقتضيه فعملنا بمقتضاها
( فَدَمَّرْناها )
أي أهلكناها
( تَدْمِيراً )
كليا بحيث لا يبقى لهم زرع ولا نسل
( وَ )
ليس هذا مما يقع نادرا فإنه
( كَمْ )
أي كثيرا
( أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ )
فضلا عن القرى لا في الاعصار البعيدة جدّا حتى يمكن ان يقال بتغير السنة بل
( مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَ )
لم تكن مؤاخذتهم اتفاقية بل على المعاصي لا على بعضها بحيث يرجى التخفيف بل على كلها ولا يبعد إذ
( كَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً )
ببواطنها
( بَصِيراً )
بظواهرها وكيف يترك اللّه سبحانه مقتضى هيئات الاعمال ولم يترك مقتضى مباديها بالكلية إذ
( مَنْ كانَ يُرِيدُ )
الحياة
( الْعاجِلَةَ )
أي الدنيوية
( عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ )
لاكل ما يشاؤه لئلا يدعى الإلهية
( لِمَنْ نُرِيدُ )
لا لكل مريد لئلا ينسب هذا الأثر إلى ارادته
( ثُمَّ )
إذا تصوّر روحه أو قلبه أو نفسه بما عمل
( جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ )
فتلك الصور وان كانت باطنة
( يَصْلاها )
ظاهرا كما يصلاها باطنا إذ يصير
( مَذْمُوماً )
لا كذم سائر الأشياء إذ يصير
( مَدْحُوراً )
أي مطرودا
( وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ )
فهذه الإرادة
( وَ )
ان لم تستقل بالتأثير تؤثر إذ
( سَعى لَها سَعْيَها )
الذي أمر اللّه به كيف
( وَهُوَ )
يفيده صورة طاعة حين هو
( مُؤْمِنٌ )
إذ لا تتصوّر طاعة بدون المطاع
( فَأُولئِكَ )
وان لم يستقل سعيهم بإفادة الصور الجميلة
( كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً )
أي مستحسنا بالايمان مع إرادة الآخرة فصار بحيث يفيد فيضان الصورة الجميلة على صاحبه وليس تأثير تلك الصور يوم القيامة كتأثيرها اليوم بل
( كُلًّا )
أي كل صورة
( نُمِدُّ هؤُلاءِ )
أي هيئات الأعمال الصالحة بما يجعل الحسنة عشر أمثالها
( وَهَؤُلاءِ )
هيئات الأعمال الصالحة بما يماثلها المماثلة الباطنة التي كانت لها وليس ذلك المدد من أنفسها حتى يجب ازدياد تأثيرها كل يوم في الدنيا بل
( مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ )
لها
( وَ )
هو وان لم يحصل لها في الدنيا كأن جائزا لحصول لها لأنه
( ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً )
أي ممنوعا وان كان متفاوتا بحسب استعداد المحل فان زعمت أنه إذا لم يكن من أنفسها يجب ان لا يتفاوت
( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَ )
ان زعمت أن التفاضل لو كان بحسب المحل لم يتفاوت المحل الواحد باعتبار الدنيا والآخرة يقال
( لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ )
من الدنيا فلا بدّ من وقوع أصل التفاوت
( وَ )
إذا جاز أصل التفاوت جاز التفضيل فهي
( أَكْبَرُ تَفْضِيلًا )
وإذا رأيت هذا التفاوت بين الأشياء بل بين الشئ الواحد بحسب وقتين
( لا تَجْعَلْ )
عند رؤية التفضيل وان بلغ ما بلغ
( مَعَ اللَّهِ )
في كمالاته
( إِلهاً آخَرَ )
إذ لا يساويه في الكمالات فإذا سوّيت بينهما
( فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً )
بفقد التمييز ولا يقتصر عليه بل
( مَخْذُولًا )
أي مطرودا عن الانسانية
( وَ )
كيف تجعل بمجرد التفضيل الها مع أنه لم يفضله ليشاركه في استحقاق
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 426 | علي بن أحمد المهائمي