تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
لطالب القرب فانا
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ )
المستحق لا على مراتب القرب
( مِنْ )
أمر له غاية البعد
( صَلْصالٍ )
هو الطين اليابس المصوت
( مِنْ حَمَإٍ )
أي طين رطب
( مَسْنُونٍ )
أي منتن فكان في غاية البعد ثم قربناه نوع تقريب ثم لم نزل نقربه
( وَالْجَانَّ )
الذي فيه من استحق غاية البعد
( خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ )
أي قبل الانسان فكان أكثر عبادة للّه مع كونه من أعز العناصر لكونه
( مِنْ نارِ السَّمُومِ )
أي الحر الشديد
( وَ )
اذكر لمن يشكك في تقريب الانسان وابعاد الجنّ
( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ )
الذين هم أعز خلقه قبل الانسان
( إِنِّي خالِقٌ بَشَراً )
لا يستحق العزة بذاته كيف وهو من أخس الأشياء
( مِنْ صَلْصالٍ )
هو من أخس منه لأنه
( مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ )
ثم أشار إلى تقريبه الموجب لتفضيله عليهم فقال
( فَإِذا سَوَّيْتُهُ )
أي عدلت مزاجه فقربته من الوحدة المناسبة لوحدتى
( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي )
الفائض من جنابى لا من جناب العقول والنفوس
( فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ )
اعترافا لفضله عليكم وكان أمرا يعم الملائكة ومن كان في حكمهم كإبليس
( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ )
من غير استثناء
( أَجْمَعُونَ )
من غير أن يتأخر سجود البعض عن البعض
( إِلَّا إِبْلِيسَ )
لم يقتصر على التأخر بل
( أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ )
وان كانوا أفضل منه لتذللهم بالسجود
( قالَ )
تعالى
( يا إِبْلِيسُ ما )
عرض
( لَكَ )
فألزمك
( أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ )
فإنه لا ذلة لك فيما شاركت فيه الأعزة
( قالَ لَمْ أَكُنْ )
لاشارك الأعزة في تذللهم لأدنى الأشياء فلم أكن
( لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ )
هو ذليل في نفسه مع مزيد ذلته بمادته إذ
( خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ )
فتعظيمك إياه بإفاضة الروح منك لا يعارض الخسة من هذه الوجوه
( قالَ )
تعالى إذا نظرت إلى خسة مادته وظاهره بعد ما رفعت وعظمته وأمرت أعزة عبادي بالتذلل له فلم تشاركهم
( فَاخْرُجْ مِنْها )
أي من طائفة الملائكة حكما فلم يبق لك من عزتهم شئ
( فَإِنَّكَ رَجِيمٌ )
بالسب
( وَ )
ليس على غير الاستحقاق بل
( إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ )
أي الابعاد الكلى الموجب لغاية الذلة
( إِلى يَوْمِ الدِّينِ )
فلا يمكنك اكتساب العزة في دار الدنيا التي هي مزرعة الآخرة
( قالَ رَبِّ )
ان لعنتني فلا تعاجلني بالعقوبة
( فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )
إذ لا يتصوّر انظار اللعين بعده
( قالَ )
إذا طلبت منى الانظار دون العفو ولرجوع لي أمرى
( فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ )
لا إلى وقت البعث إذ لا بد من رد شئ من دعوتك فغاية انظارك
( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ )
وهو النفخة الأولى التي يفنى عندها نوع الانسان
( قالَ )
إبليس
( رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي )
بالنظر إلى المادة الجسمانية دون الروحانية فزينت لي باطل رأيي وأنزلتنى به عن رتبة الملائكة
( لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ )
أهويتهم الباطلة لاجعلهم راسخين
( فِي الْأَرْضِ )
التي هي مادتهم الخسيسة لارجعهم إلى الخسة
( وَ )
لا اقتصر على التزين بل
( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ )
فلا يتم مقصودك من خلقهم إذ خلقتهم لمعرفتك وعبادتك
( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ )
الذين أخلصتهم من أهويتهم إذ لا أقدر على ابطال مرادك بالكلية
( قالَ )
اللّه
( هذا )
أي اغواء البعض واهداء البعض لا يخل بحكمتي إذ هو
( صِراطٌ )
أي دليل
( عَلَيَّ )
لدلالته على سلطنتى
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان ) — صفحة 397 | علي بن أحمد المهائمي