البروج وصورها متحاذية فلما خرجت عن محاذاتها حصل هذا التفاوت فلم يعتبر لأنه لا يزال يختلف باختلاف الدورات فجعل ذلك الأصل مناط الأحكام الشرعية لذلك كان
( مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ )
ذو القعدة وذو الحجة والمحرم والرجب ليكون ثلث السنة تغليبا للتحليل الذي هو مقتضى سعة الرحمة على التحريم الذي هو مقتضى الغضب فجعل أوّل السنة وآخرها وهو المحرم وذو الحجة ولما لم يكن له وسط صحيح أخذ أوّل النصف الآخر وهو رجب فبقى من الثلث شهر فاخذ قبل الآخر وهو ذو القعدة ليكون مع آخر السنة المتضلة بأوّلها وترا وبقي وترية رجب فتتم السنة على التحريم باعتبار أوّلها وآخرها وأوسطها مع تذكر وترية الحق المؤكد للتحريم
( ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ )
أي المستقيم عقلا ونقلا عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام
( فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ )
بالمعاصي فإنها تعظم فيهن عظمها في الحرم لذلك يتغلظ فيها دية القتل المحرم
( وَ )
لكن
( قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ )
في السنة
( كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً )
فعفى عن تحريمه مكافأة لهم ويدل على عفوه نصره إياكم
( وَاعْلَمُوا )
إذا شككتم في بقاء تحريمها مع نصركم
( أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )
بالنصر ومع ذلك يجب اتقاء تغيير الشهور المحرمة
( إِنَّمَا النَّسِيءُ )
أي تأخير التحريم من شهر إلى آخر
( زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ )
مضمومة إلى الكفر السابق لأنه
( يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا )
باللّه عن أحكامه إذ يجمعون بين الحل والحرمة في شهر واحد وغاية ما يرفع التناقض انهم
( يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً )
وهذا وان رفع التناقض فهو تغيير لاحكام اللّه وغاية اعتذارهم عن التغيير أنهم فعلوا ذلك
( لِيُواطِؤُا )
أي ليوافقوا عدتهم
( عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ )
لكنه يكفى في التغيير نقلهم الحرمة من شهر آخر
( فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ )
من غير أن يكون لهم نسخ أحكام اللّه فكأنهم يدعون الإلهية لأنفسهم لكنهم لا ينظرون إلى هذه اللوازم القبيحة لأنه
( زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَ )
لو لم يزين لهم فلا أقل من أنهم لا يرون قبحها إذ
( اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ )
به وبأحكامه للقبائح ليجتنبوها ومما زين لهم من سوء الاعمال استحلالهم القتال على الباطل في الأشهر الحرم مع أنه خلاف مقتضى بخلهم لان منشأه ايثار الحياة الدنيا فلا ينبغي أن يزين ترك القتال على الحق للمؤمنين ايثار الها على الآخرة
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )
بفوائد الآخرة سيما للمجاهدين على الحق ودناءة الدنيا
( ما )
ذا عرض
( لَكُمْ إِذا قِيلَ )
من جهة اللّه ورسوله نفعا
( لَكُمُ انْفِرُوا )
أي اخرجوا للقتال لتسلكوا بالناس
( فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ )
أي أبطأتم ابطاء الثقيل لميلكم
( إِلَى الْأَرْضِ )
ميل الثقيل إليها
( أَ رَضِيتُمْ )
أيها المؤمنون بفوائد الآخرة سيما للمجاهدين
( بِالْحَياةِ الدُّنْيا )
أي الحقيرة بدلا
( مِنَ الْآخِرَةِ )
أي من فوائدها سيما للشهداء فان زعمتم ان الفوائد الدنيوية محققة دون الأخروية ففيه تضييع الايمان الذي به النجاة والدرجات بأدنى الأشياء
( فَما مَتاعُ )
أي فائدة
( الْحَياةِ الدُّنْيا )
إذا وضعت
( فِي )
جنب فوائد
( الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ )
فكيف يتحمل لأجل هذا القليل هذا الخطير العظيم على أنه لا يحصل لكم هذا القليل حينئذ أيضا فإنه
( إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ )
بتسليط أعدائكم عليكم
( عَذاباً أَلِيماً )
بالقتل والأسر وراء العذاب