لما عرفوه كما اعترف به من آمن منهم لأغراض كانت لهم وقد ظهرت ولا يبعد منهم لذلك ستر ما لم يظهر في العموم ولا تحريفه فقيل
( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ )
لأنه ذكر فيه نعته وهو وان لم يفد تعينه باللون والشكل والزمان والمكان تعين بقرائن المعجزات فبقاء الاحتمال البعيد فيه كبقائه في الولد بأنه يمكن ان يكون غير ما ولدته امرأته أو يكون من الفجور مع دلالة القرائن على براءتها من التزوير والفجور فهو
( كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ )
في ارتفاع الاحتمال البعيد بالقرائن على براءتها فانكاره خسران لما عرفوه ولما أمروا بالتدين به
( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ )
بتفويت ما أوتوا من الكتاب وما أمروا به
( فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )
وكيف لا يخسرون وهم ظالمون وكل ظالم خاسر وانما قلنا إنهم ظالمون لأنهم يحرّفون كتاب اللّه لفظا أو معنى فيفترون على اللّه لكذب ويكذبون آيات اللّه من كتابهم ومعجزات محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وكتابه وقد يسترون بعض ما في كتابهم وهو أيضا تكذيب فعلوا جميع ذلك لأنه لا يتأتى لهم ترك الايمان لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم بدون أحد هذه الأمور
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ )
لأنهم بالتحريف يدعون الهية أنفسهم وبالتكذيب يريدون تعجيز اللّه عن تصديقه الرسل وينسبون ايجادها إلى غير اللّه مع افتقارها إلى القدرة الكاملة وانما قلنا كل ظالم خاسر لان كل ظالم لا يفلح
( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ )
أي لا يفلحون في الدنيا بانقطاع الحجة عنهم وظهور المسلمين عليهم وفيه إشارة إلى أن مدعى الرسالة لو كان كاذبا كان مفتريا على اللّه فلا يكون مفلحا فلا يكون سببا لصلاح العالم ولا محلا لظهور المعجزات ولما ذكر جواب الاعتراض على شهادة اللّه ينسبة ظلم الافتراء على اللّه وتكذيب آياته اليه أشار إلى جواب اعتراض اللّه على شهادة المشركين ان مع اللّه آلهة أخرى بالكذب على أنفسهم بانكار شهادتهم وهو أيضا ظلم على ظلم بالافتراء على اللّه بالشرك وقد شاركهم الاوّلون في الشرك أيضا فقال
( وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ )
أي فكما لا يفلحون في الدنيا بانقطاع الحجة عنهم وظهور المسلمين عليهم لا يفلحون يوم نحشرهم أي الانس والجنّ والشياطين والملائكة
( جَمِيعاً )
ليفتضح جميعا من لا يفلح من الظالمين مزيد افتضاح ويظهر المفلحون بكمال العزة
( ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا )
أي مضوا على الشرك بأن ماتوا عليه وهم الشاهدون أن مع اللّه آلهة أخرى وكذا المفترون على اللّه بالتحريف والمكذبون بآياته بجعلها للغير
( أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ )
الذين جعلتموهم شركاءنا وهم شركاؤكم في العبودية
( الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ )
من عند أنفسكم بلا دليل عقلي ولا نقلي ولا كشفى قصدتم بذلك فعل الفاتنين في المملكة بجعلها لغير من هي له فيتحيرون
( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ )
أي جواب ما اعترض به على فتنتهم التي هي شهادتهم أن مع اللّه آلهة أخرى
( إِلَّا أَنْ قالُوا )
معتذرين عنها بنفيها مؤكدا بالقسم بالاسم الجامع مع نسبة الربوبية اليه لا لي ما سواه
( وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ )
فكان هذا العذر ذنبا آخر مؤكدا لافترائهم بالشرك الذي نفوه
( انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا )
مع علام الغيوب بعد كشف