شهادتكم سوى المبالغة إذ
( أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ )
وإذا بالغ اللّه تعالى هذه المبالغة في أخذ الأنبياء ميثاق أقوامهم على هذا النهج البليغ
( فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ )
اى أعرض عن هذا العهد فلم يؤمن بالرسول المذكور ولم ينصره
( فَأُولئِكَ )
وان كانوا من أهل الكتاب
( هُمُ الْفاسِقُونَ )
اى الخارجون عن دائرة أهله بالحقيقة فلا عبرة بشهادتهم ولا باخبارهم فان قالوا هذا الرسول ليس مصدقا لهم لأنهم دعوا إلى ربوبية أنفسهم قيل لهم
( أَ )
يطلب الأنبياء من الناس اتخاذهم أربابا وهذا دين المشركين
( فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ )
الذي هو التوحيد
( يَبْغُونَ )
اى يطلبون لاتباعهم
( وَ )
ليس هذا مقتضى كمالهم في التجلي الشهودي إذ
( لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ )
من أهل الفناء والبقاء
( وَالْأَرْضِ )
من عوام المؤمنين والكفار
( طَوْعاً )
ان كان من أهل البقاء أو مؤمنا
( وَكَرْهاً )
ان كان من أهل الفناء أو كافرا فلا يدعى الإلهية إلا له لا لنفسه وكيف
( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ )
في التوحيد فلا مساغ لغيره في دعوى الإلهية أصلا ولو قالوا أنتم تطلبون بترك اليهودية والنصرانية غير دين اللّه
( قُلْ )
لهم
( آمَنَّا بِاللَّهِ )
ويهود هذا الزمان ونصاراه أشركوا به
( وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ )
ان كان فيه ما ينسخ بعض أحكام التوراة والإنجيل فهو موافق
( ما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ )
فلو أخل نسخنا للتوراة والإنجيل لأخل نسخكم لما أنزل على هؤلاء
( وَ )
مع ذلك أيضا صدّقنا
( ما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ )
وان اختلفت شرائعهم لكونها
( مِنْ رَبِّهِمْ )
اى الذي ربى كلا بما هو مصلحته وهم وان تفاوتت شرائعهم كمالا ونقصا
( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ )
بالايمان بالبعض والكفر بالبعض لان التفاوت فيها بتفاوت استعدادات الأمم
( وَ )
لا نجعل بعضهم أربابا وبعضهم عبيدا بل
( نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )
فهذا هو الاسلام الذي هو الانقياد لربوبية اللّه وأوامره في كل عصر
( وَمَنْ يَبْتَغِ )
اى يطلب
( غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً )
فاتخذ البعض أربابا وصدق البعض دون البعض وآمن بالمنسوخ دون الناسخ
( فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ )
إذ لم ينقد لامر اللّه في عصره وان انقاد لما أمر به من قبله
( وَ )
لا يحصل ثواب من عمل بالدين المنسوخ قبل نسخه بل
( هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ )
للأجر على الناسخ والمنسوخ جميعا وكذا أجر ما صح من الاعتقادات والاعمال والاخلاق لان الكفر محيط للكل وكيف لا يكونون خاسرين في الآخرة وقد خسروا وجوه الهداية في الدنيا إذ
( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا )
بالرسول بعد مجيئه
( بَعْدَ إِيمانِهِمْ )
به قبل مجيئه إذ رأوه في كتبهم
( وَ )
ليس هذا الكفر مجرد نقضهم الميثاق بالايمان بكل رسول يأتيهم مصدقا لما معهم بل مع ذلك
( شَهِدُوا أَنَّ )
هذا
( الرَّسُولَ حَقٌّ وَ )
هو وان لم يعين زمانه ومكانه وقبيلته وسائر مشخصاته يكفيهم انه
( جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ )
التي آمنوا لمثلها ولما دونها بموسى وعيسى عليهما السّلام فظلموا بحقه الثابت ببيناته وتصديقه الكتب السماوية
( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
فلا يجازيهم جزاء أهل الهداية وان اهتدوا بالايمان ببعض ما في كتبهم بل
( أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ )
جزاء الظالمين بالكفر الكلى