تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
ابن عرفة : كررت هذه القصص في القرآن كثيرا ؛ وذلك لكثرة الوفود الواردين على النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ؛ فيسمعوا قوم ولم يسمعها آخرون ، فأنزلت القصة عليه لأجلهم بلفظ آخر ، إما بحسب اختلاف الأذهان والعقول ، وإما لأن الإخبار بها إذا أنزلت بلفظ آخر خاص بالنبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم لا يسمع من غيره ، بخلاف ما لو نزلت بلفظها الأول لكان يقول بعض الصحابة ممن سمعها قبل ذلك يشارك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الإخبار بها للوفود الواردين عليه . قال : والآيات المعجزات والسلطان المبين راجع إلى التحدي بها والاحتجاج ، فهو من قبيل الإرجاع ، كقولك : جاءني الشيخ والرجل الصالح ، أو يكون السلطان راجع إلى ظهور المعجزة إلا المقترح ، قال : وليس من شرطها ظهورها أو راجع إلى نتيجتها ، قوله تعالى :
لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ
[ سورة الروم : 57 ] يحتمل أن يكون من باب العدم والملكة ؛ فهم يعبدون ولا ينفعهم ، أو من باب السلب والإيجاب ؛ مثل الحائط لا يبصر فهم لا قدرة لهم على العبادة بوجه . قوله تعالى :
فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ
. إما أن بعضهم ، قال
ساحِرٌ ،
وبعضهم قال :
كَذَّابٌ ،
أو كل واحد منهم قال ذلك ، وهل المراد
كَذَّابٌ
بالإطلاق ، أو كذب في سحره إشارة إلى أن سحره توبة وتقوى وليس بحقيقي ؛ لأن السحر عندهم محمود ، إذ هو علم من العلوم ، وعلى هذا فيكون أطلق الكذب على الفعل ، وقد تقدم في حديث سليمان ؛ حيث كان يظهر أنه يفعل ولا يفعل ، أنه يؤخذ منه عدم إطلاق الكذب على الفعل ، وظاهر كلام ابن التلمساني في باب الإخبار في صحة إطلاق الكذب عليه ونحوه لابن عطية في قوله تعالى :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا
[ سورة مريم : 41 ] . قوله تعالى :
فَلَمَّا جاءَهُمْ
الحق
مِنْ عِنْدِنا
. مع ما قبلها إشكال ؛ لإيهامه إنه قبل ذلك ولم يكن جاءهم ، كقولهم : جئت زيدا ، فلما أخبرته بقصة عمرو خرج مسافرا ، فمفهومه أنه قبل المجيء لم يخبره بذلك ، فيلزم منه أنه يجيبهم بالحق ، قيل ذلك بدليل قوله تعالى :
فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ ،
والجواب : إنه أولا لم يدعهم إلى الإيمان ، بل أتى بالمعجزات فقط ، ثم لما دعاهم إلى الإيمان ، قالوا ذلك ، واعلم أن المبتدأ لا يحذف إلا إذا كان الخبر لا يصلح له ؛ وكذلك هذا هو عندهم لا يصح أن يوصف بالسحر إلا هذا الرجل . قوله تعالى :
وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ
.
تفسير ابن عرفة — صفحة 395 | ابن عرفة