تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
ابن عرفة : وكان الفقيه أبو سعيد الغبريني أخبرني أنه بحث مع النصارى في هذا وأنكر عليهم ، فأخذوا طرف الإحرام وطووه على ثلاثة ، ثم علوا فصار واحدا ، فكذلك قالوا : هؤلاء الثلاثة في واحد ، فإن قلت : لم قال
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
فمفهومه جواز قوله اثنان ؟ فالجواب : أنه أوتي على سبيل دعواهم وهم ادعوا ثلاثة . قوله تعالى :
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ .
ابن عرفة : الاستدلال بهذه الآية على نفي الولد أبلغ من استدلاله على نفيه بقوله تعالى :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
[ سورة الإخلاص : 1 ، 2 ] ؛ لأن هذه تضمنت نفي وجود الولد ، ونفي القابلية أبلغ من نفي الوجود . قوله تعالى :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ .
تضمنت الآية ثلاثة أمور دينية : أحدها : إثبات الوحدانية ، والثانية : نفي الولد ، والثالثة : إثبات الصفات ما تضمنه قوله
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
فإنه يقتضي الحياة والقدرة والعلم والإرادة ، فاقتضت الآية أيضا إثبات الكلام فإن هذا من القرآن وهو كلام اللّه ، أما القدرة فخلقه السماوات والأرض وتخصيص أحدهما بصفة دون الأخرى دليل على الإرادة وكون فاعلها عالما . قوله تعالى :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ .
قال ابن عطية : الاستنكاف هو التمنع من الشيء بأناقة واستحضار العلم والتنزه ، ومثاله : أن يضع طعاما لرجلين فيمتنعان من أكله ، أحدهما لكونه لم يقو على أكله أو هو صائم ، والآخر لكونه رأى مثل ذلك الطعام لا يليق به وأن أكله منه لا يليق في حقه ، وإنما يليق به ما هو أحسن منه وأسيغ ، فالاستنكاف أخص من الاستكبار والامتناع ، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ، فيرد السؤال لما جاء هكذا ، ويجاب بأنه على وفق دعواهم إلا أن ابن عطية ذكر السبب في ذلك أنهم ادعوا رفع عيسى عن العبودية ، أي لن يستنكف عيسى أن يكون عبدا للّه ، فقال : إنه لبس أن يكون عبدا لله ، قالوا : بلى فنزلت الآية ، قاله الزمخشري : فجعلوا فتنة العبودية له سببا له فأنكر عليهم ، وقيل له : إذا كان نبيكم على شرف منزلته وعلى قدره لا يأتي أن يكون عبد اللّه فكيف تقيمون أنتم ذلك عليه . قوله تعالى :
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ .