قوله تعالى :
أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ .
قال ابن عرفة : تقدم فيها سؤال وهو أنه قد رد المدح في حقهم بما اتصفوا به من فعل وقول ، فقال : يأخذون عرض هذا الأدنى ، ويقولون : سيغفر لنا ، وأكد تقرير الذم بالفعل بتكراره ، لقوله
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ .
ثم لما انتقل لمقام الرد عليهم ذكر فيه تقبيح قولهم دون فعلهم وهو :
أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ،
قال : وأجيب بوجهين ؛ الأول :
أن القول يستلزم الفعل وهو سبب [ 35 / 174 ] . فيه ، فاكتفى بالسبب عن مسببه .
الثاني : قوله
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ .
وتلك الجملة هي معمولة لقوله
وَدَرَسُوا ما فِيهِ .
أيضا أن الدار الآخرة خير ولم يعملوا بها بل عملوا بنقيضها ، وهذا هو الفعل وهو أخذهم عرض الدنيا ونبذهم عرض الآخرة .
قوله تعالى :
وَدَرَسُوا ما فِيهِ .
ولم يقل ودرسوه إشارة إلى أنهم حفظوه ، ولو قال : ودرسوه لكانوا حفظوا لفظه ولم يتدبروا معناه .
قوله تعالى :
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ .
وذلك أنهم مأثورون بأن يتصفوا بالجودة والطاعة وعدم المخالفة ؛ فاتصفوا بالعصيان ورجاء المغفرة ؛ لقوله تعالى :
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا . .
قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ .
ورد في الحديث الصحيح أن اللّه نعالى لما خلق آدم أخرج ذريته من ظهره كالذر فاستعهدهم على أنفسهم
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى .
فهذه الآية اقتضت الإخراج من بني آدم ، والحديث اقتضى أن الإخراج من ظهر آدم لا من ظهر ذريته ، والجمع بينهما بأن المخرج من المخرج من الشيء مخرج من الشيء ، فإذا خرجت سلعة من الصندوق فيها دنانير ، قلت : أخرجت هذه الدنانير من الصندوق ، والآية اقتضت إخراج ذرية بني آدم ، وزاد الحديث بإخراج الوسط وهم بنو آدم من ظهره وإشهادهم على أنفسهم .
قوله تعالى :
وَأَشْهَدَهُمْ .