[ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 42 إلى 46 ]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ( 42 ) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ( 43 ) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ( 44 ) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ( 45 ) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ( 46 )
ولما قسمهم هذا التقسيم المفهم أن هذا شيء لا بد منه ، استأنف ذكر استهزائهم تعجيبا منهم فقال :
يَسْئَلُونَكَ
أي قريش على سبيل التجديد والاستمرار سؤال استهزاء وإنكار واستبعاد :
عَنِ السَّاعَةِ
أي البعث الآخر لكثرة ما تتوعدهم بها عن أمرنا . ولما كان السؤال عنها مبهما بينه بقوله :
أَيَّانَ مُرْساها *
أي في أي وقت إرساؤها أي وقوعها أو ثباتها واستقرارها .
ولما كان إيراد هذا هكذا مفهما للإنكار عليهم في هذا السؤال ، وكان من المعلوم أنه يقول : إنهم ليسألونني وربما تحركت نفسه الشريفة صلّى اللّه عليه وسلّم إلى إجابتهم لحرصه على إسلامهم شفقة عليهم ، فطمه عن ذلك وصرح بالإنكار بقوله :
فِيمَ
أي في أي شيء
أَنْتَ مِنْ ذِكْراها *
أي ذكرها العظيم لتعرفها وتبين وقتها لهم حرصا على إسلامهم ، وذلك لا يفيد علمها ، ثم عرفها بما لا يمكن المزيد عليه مما أفادته الجملة التي قبل من أنه لا يمكن علمها لغيره سبحانه وتعالى فقال :
إِلى رَبِّكَ
أي المحسن إليك وحده
مُنْتَهاها *
أي منتهى علمها وجميع أمرها .
ولما كان غاية أمرهم أنهم يقولون : إنه متقول من عند نفسه ، قلب عليهم الأمر فقال :
إِنَّما أَنْتَ
أي يا أشرف المرسلين
مُنْذِرُ
أي مخوف على سبيل الحتم الذي لا بد منه مع علمك بما تخوف به العلم الذي لا مرية فيه
مَنْ يَخْشاها *
أي فيه أهلية أن يخافها خوفا عظيما فيعمل لها لعلمه بإتيانها لا محالة وعلمه بموته لا محالة وعلمه بأن كل ما تحقق وقوعه فهو قريب ، وذلك لا يناسب تعيين وقتها فإن من فيه أهلية الخشية لا يزيده إبهامها إلا خشية ، وغيره لا يزيده ذلك إلا اجتراء وإجراما ، فما أرسلناك إلا للإنذار بها لا للإعلام بوقتها ، فإن النافع الأول دون الثاني ، ولست في شيء مما يصفونك به كذبا منهم لأنا ما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ولا أنت مبعوث لتحرير وقت الساعة وعلم عينه ، وإنما قصره على من يخشى لأن غيره لا ينتفع بإنذاره ، فكان كأنه لم يحصل له الإنذار ، ولهذا المعنى أضاف إشارة إلى أنه عريق في إنذار من يخشى ، وأما غيره فهو منذر له في الجملة أي يحصل له صورة الإنذار لأنه منذره بمعنى أنه يحصل له معنى الإنذار .
ولما أثبت أنه منذر ، وكان أخوف الإنذار الإسراع ، قال مستأنفا محقرا لهم الدنيا مزهدا لهم فيها :
كَأَنَّهُمْ
أي هؤلاء المنكرين لصحة الإنذار بها
يَوْمَ يَرَوْنَها
أي يعلمون قيامها علما هو كالرؤية ويرون ما يحدث فيها بعد سماع الصيحة وقيامهم من