بسم اللّه الرحمن الرّحيم
سورة عبس مكية - آياتها اثنان وأربعون وتسمى الصاخة
مقصودها شرح
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها
[ النازعات : 45 ] بأن المراد الأعظم تزكية القابل للخشية بالتخويف بالقيامة التي قام الدليل على القدرة عليها بابتداء الخلق من الإنسان ، وبكل من الابتداء والإعادة لطعامه والتعجيب ممن أعرض مع قيام الدليل ، والإشارة إلى أن الاستغناء والترف أمارة الإعراض وعدم القابلية والتهيؤ للكفر والفجور ، وإلى أن المصائب أمارة للطهارة والإقبال واستكانة القلوب وسمو النفوس لشريف الأعمال ، فكل من كان فيها أرسخ كان قلبه أرق وألطف فكان أخشى ، فكان الإقبال عليه أحب وأولى ، واسمها « عبس » هو الدال على ذلك بتأمل آياته وتدبر فواصله وغاياته ، وكذا الصاخة النافخة بشرها وشررها والباخة
بِسْمِ اللَّهِ
الذي له القدرة البالغة والحكمة الباهرة
الرَّحْمنِ
الذي عم بنعمة الإيجاد الظاهرة ثم بآيات البيان الزاهرة
الرَّحِيمِ *
الذي خص أولياءه بأن أتم نعمته عليهم ، فكانت بهم إلى مرضاته سائرة .
[ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 1 إلى 6 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 )
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 )
لما قصره سبحانه على إنذاره من يخشى ، وكان قد جاءه صلّى اللّه عليه وسلّم عبد اللّه بن أم مكتوم الأعمى رضي اللّه تعالى عنه ، وكان من السابقين ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين مجيئه مشتغلا بدعاء ناس من صناديد قريش إلى اللّه تعالى ، وقد وجد منهم نوع لين ، فشرع عبد اللّه رضي اللّه عنه يسأله وهو لا يعلم ما هو فيه من الشغل ، يسأله أن يقرئه ويعلمه مما علمه اللّه فكره أن يقطع كلامه مع أولئك خوفا من أن يفوته منهم ما يرجوه من إسلامهم المستتبع لإسلام ناس كثير من أتباعهم ، فكان يعرض عنه ويقبل عليهم ، وتظهر الكراهة في وجهه ، لاطفه سبحانه وتعالى بالعتاب عن التشاغل عن أهل ذلك بالتصدي لمن شأنه أن لا يخشى لافتتانه بزينة الحياة الدنيا وإقباله بكليته على ما يفنى ، فقال مبينا لشرف الفقر وعلو مرتبته وفضل أهل الدين وإن هانوا ، وخسة أهل الدنيا وإن زانوا ، معظما له