تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
عليه فقال كالمبين له من غير عاطف :
أَخْرَجَ مِنْها
أي الأرض
ماءَها
بتفجير العيون ، وإضافته إليها دليل على أنه فيها
وَمَرْعاها *
الذي يخرج بالماء ، والمراد ما يرعى منها ومكانه وزمانه . ولما ذكر الأرض ومنافعها ، ذكر المراسي التي تم بها نفعها فقال :
وَالْجِبالَ
أي خاصة
أَرْساها *
أي أثبتها وأقرها ومع كونها ثابتة لا تتحول فإنه سبحانه جعلها مراسي للأرض تكون سببا لثباتها كما أن المراسي سبب لثبات السفينة . ولما كانت الإعادة واضحة من تناول الحيوان المأكل والمشرب وغيرهما من المتاع فإنه كلما نقص منه شيء تناول ما قدر له ليعود ذلك أو بعضه ، قال منبها على أنه كل يوم في إعادة بانيا حالا مما تقدم تقديره : حال كونها
مَتاعاً
مقدرا
لَكُمْ
تتمتعون بما فيها من المنافع
وَلِأَنْعامِكُمْ *
أي مواشيكم بالرعي وغيره . ولما ذكر ما دل على البعث ، أتبعه ما يكون عن البعث مسببا عنه دلالة على أن الوجود ما خلق إلا لأجل البعث لأنه محط الحكمة :
فَإِذا جاءَتِ
أي بعد الموت
الطَّامَّةُ الْكُبْرى *
أي الداهية الدهياء التي تطم - أي تعلو - على سائر الدواهي وتغطيها فتكون أكبر داهية توجد ، وهي البعث بالنفخة الثانية - كما قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما ، والعامل في « إذا » محذوف تقديره : فصل الناس إلى شقي وسعيد . ولما كان الشيء لا يعرف قدره إذا كان غائبا إلا بما يكون فيه ، قال مبدلا منه :
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ
أي تذكرا عظيما ظاهرا - بما أشار إليه الإظهار
الْإِنْسانُ
أي الخلق الآنس بنفسه الغافل عما خلق له
ما سَعى *
أي عمل كله من خير وشر لأنه يراه في صحيفة أعماله ، والإخبار عن تذكره منبها على ما في ذلك اليوم من الخطر لأن أحدا لا يعمل جهده في تذكره إلا لمحوج إلى ذلك وهو الحساب وتدوينه في صحيفة أعماله . ولما أشار إلى الحساب ذكر ما بعده فقال :
وَبُرِّزَتِ
أي أظهرت إظهارا عظيما ، وبناه للمفعول لأن الهائل مطلق تبريزها لا كونه من معين ، مع الدلالة على الخفة والسهولة لكونه على طريقة كلام القادرين
الْجَحِيمُ
أي النار التي اشتد وقدها وحرها
لِمَنْ يَرى *
أي كائنا من كان لأنه لا حائل بين أحد وبين رؤيتها ، لكن الناجي لا يصرف بصره إليها فلا يراها كما قال تعالى :
لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها
[ الأنبياء : 102 ] . ولما كان جواب « إذا » كما مضى محذوفا ، وكان تقديره أن قسم الناس قسمين : قسم للجحيم وقسم للنعيم ، قال تعالى مسببا عنه مفصلا :
فَأَمَّا مَنْ طَغى *
أي تجاوز الحد في العدوان فلم يخش مقام ربه ، قال في القاموس : طغى : جاوز القدر