تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
وارتفع وطغى : غلا في الكفر وأسرف في المعاصي والظلم ، والماء : ارتفع .

[ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 38 إلى 41 ]

وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 38 ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ( 39 ) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) ولما كان الذي بعد حدود اللّه هو الدنيا ، صرح به فقال :
وَآثَرَ
أي أكرم وقدم واختار
الْحَياةَ الدُّنْيا *
بأن جعل أثر العاجلة الدنية لحضورها عنده أعظم من أثر الآخرة العليا لغيابها ، فكان كالبهائم لا إدراك له لغير الجزئيات الحاضرة ، فانهمك في جميع أعمالها وأعرض عن الاستعداد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس فلم ينه نفسه عن الهوى . ولما كان الإنسان مؤاخذا بما اكتسب ، سبب عن أعماله هذه قوله مؤكدا لتكذيبهم ذلك :
فَإِنَّ الْجَحِيمَ
أي النار الشديدة التوقد العظيمة الجموح على من يدخلها
هِيَ
أي لا غيرها
الْمَأْوى *
أي المسكن له - هذا مذهب البصريين أن الضمير محذوف ، وعند الكوفيين أن « أل » نائب عن الضمير - قاله أبو حيان . ولما ذكر الطاغي ، أتبعه المتقي فقال :
وَأَمَّا مَنْ خافَ
ولما كان ذلك الخوف مما يتعلق بالشيء لأجل ذلك الشيء أعظم من ذكر الخوف من ذلك الشيء نفسه فقال :
مَقامَ رَبِّهِ
أي قيامه بين يدي المحسن إليه عند تذكر إحسانه فلم يطغ فكيف عند تذكر جلاله وانتقامه ، أو المكان الذي يقوم فيه بين يديه والزمان ، وإذا خاف ذلك المقام فما ظنك بالخوف من صاحبه ، وهذا لا يفعله إلا من تحقق المعاد . ولما ذكر الخوف ذكر ما يتأثر عنه ولم يجعله مسببا عنه ليفهم أن كلّا منهما فاصل على حياله وإن انفصل عن الآخر فقال :
وَنَهَى النَّفْسَ
أي التي لها المنافسة
عَنِ الْهَوى
أي كل ما تهواه فإنه لا يجر إلى خير لأن النار حفت بالشهوات ، والشرع كله مبني على ما يخالف الطبع وما تهوى الأنفس ، وذلك هو المحارم التي حفت بها النار فإنها بالشهوات ، قال الرازي : والهوى هو الشهوة المذمومة المخالفة لأوامر الشرع . قال الجنيد : إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها ، أي فأفاد ذلك أنه لم يؤثر الحياة الدنيا ، فالآية من الاحتباك : أتى بطغى دليلا على ضده ثانيا ، وبالنهي عن الهوى ثانيا دلالة على إيثار الدنيا أولا . ولما كان مقام ترغيب ، ربط الجزاء بالعمل كما صنع في الترهيب فقال وأكد لأجل تكذيب الكفار :
فَإِنَّ الْجَنَّةَ
أي البستان الجامع لكل ما يشتهي
هِيَ
أي خاصة
الْمَأْوى *
أي له ، لا يأوي إلى غيرها ، وهذا حال المراقبين .