مختصر العالم الآفاقي ، ويزيد الآفاقي طول البقاء مع عدم التأثر ، وصل به قوله دليلا على قدرته على البعث لقدرته على ما هو أشد منه لأن الذي قدر على ابتداء الأكبر هو على إعادة الأصغر أقدر ، مبينا لكيفية خلقه لها :
بَناها *
أي جعلها سقفا للأرض على ما لها من العظمة ، ثم بين البناء بقوله :
رَفَعَ سَمْكَها
أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو سمنها الذاهب في العلو رفيعا ، قال في القاموس : السمك السقف ، أو من أعلى البيت إلى أسفله ، أو القامة من كل شيء ، وقال أبو حيان : السمك الارتفاع الذي بين سطح السماء الذي يلينا وسطحها الذي يلي ما فوقها .
فَسَوَّاها *
أي عدلها عقب ذلك بأن جعلها مستوية لا شيء فيها أعلى من شيء ولا أخفض ولا فطور فيها ، وأصلحها بما تم به كمالها من الكواكب وغيرها ، وجعل مقدار تخن كل سماء وما بين كل سماءين وتخن كل أرض وما بين كل أرضين على السواء لا يزيد شيء من ذلك على الآخر أصلا .
[ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 29 إلى 37 ]
وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها ( 29 ) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 ) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ( 31 ) وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 33 )
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ( 34 ) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ( 35 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ( 36 ) فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 )
ولما كان كل من ذلك يدل على القدرة على البعث لأنه إيجاد ما هو أشد من خلق الآدمي من عدم ، أتبعه ما يتصور به البعث في كل يوم وليلة مرتين فقال :
وَأَغْطَشَ
أي أظلم إظلاما لا يهتدي معه إلى ما كان في حال الضياء
لَيْلَها
أي بغياب شمسها فأخفى ضياءها بامتداد ظل الأرض على كل ما كانت الشمس ظهرت عليه . وأضافه إليها لأنه يحدث بحركتها ، وبدأ به لأنه كان أولا ، والعدم قبل الوجود
وَأَخْرَجَ ضُحاها *
بطلوع شمسها فأضاء نهارها ، فالآية من الاحتباك : دل ب « أغطش » على « أضاء » وبإخراج الضحى على إخفاء الضياء ، ولعله عبر بالضحى عن النهار لأنه أزهر ما فيه وأقوى نورا .
ولما بدأ بدلالة العالم العلوي لأنه أدل لما فيه من العجائب والمنافع مع كونه أشرف ، فذكر أنه أتقن السماء التي هي كالذكر ، ثنى بأنه سوى ما هي لها كالأنثى فقال :
وَالْأَرْضَ
ولما كان المراد استغراق الزمان باستمرار الدحو ، حذف الخافض فقال :
بَعْدَ ذلِكَ
أي المذكور كله
دَحاها
أي بسطها ومدها للسكنى وبقية المنافع بعد أن كان خلقها وأوجدها قبل إيجاد السماء غير مسواة بالفعل ولا مدحوة .
ولما ذكر الدحو ، أتبعه ما استلزمه من المنافع لتوقف السكنى المقصودة بالدحو