عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ
[ القصص : 40 - 42 ] إلى غير ذلك من الآيات البينات والدلائل الواضحات التي لا تحصى وهي كثيرة ، وأعظمها القياس البديهي الإنتاج
وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ
[ يونس : 83 ]
وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ
[ غافر : 43 ] ويروى أن إبليس لما سمع منه قوله هذا قال :
إني تجبرت على آدم فلقيت ما لقيت ، وهذا يقول هذا ؟ وهذا دعاه إليه الكبر الناشئ من فتنة السراء التي الصبر فيها أعظم من الصبر في الضراء ، قال الإمام الغزالي في كتاب الصبر من الإحياء : فالصبر على الطاعة شديد لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية وتشتهي الربوبية ، ولذلك قال بعض العارفين : ما من نفس إلا وهي مضمرة ما أظهره فرعون من قوله
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
[ النازعات : 24 ] ولكن فرعون وجد له مجالا وقبولا فأظهره إذ استحف فأطاعوه وما من أحد إلا وهو يدعي ذلك مع عبده وخادمه وأتباعه وكل من هو تحت قهره وطاعته وإن كان ممتنعا من إظهاره . فإن امتعاضه وغيظه عند تقصيرهم في خدمته لا يصدر إلا عن إضمار الكبر ومنازعة الربوبية في رداء الكبرياء - انتهى . ويؤيده أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما لام خادمه في شيء قط - واللّه تعالى هو الموفق للصواب .
ولما أخبر سبحانه عنه بهذه الكلمة الشنعاء القادحة في الملك ، وكان الملوك لا يحتملون ذلك بوجه ، سبب عنها وعقب قوله :
فَأَخَذَهُ اللَّهُ
أي الملك الذي لا كفوء له ولا أمر لأحد معه أخذ قهر وذلك منكلا به مخذلا له :
نَكالَ الْآخِرَةِ
فهو مصدر من المعنى ، أي أخذ تنكيل فيها يكون مثلا يتقيد به ويتعظ كل من سمعه عن مثل حال فرعون ، وقدمها اهتماما بشأنها وإشارة إلى أن عظمة عذابها أعظم ولا يذوقه الإنسان إلا بكشف غطاء الدنيا بالموت ، وتنبيها على أن المنع من مثل هذه الدعوى للصدق بها أمكن ، وليس ذلك للفاصلة لأنه لو قيل : « الأخرى » لوافقت
وَالْأُولى *
أي ونكال الدنيا الذي هو قبل الآخرة فإن من سمع قصة غرقه ومجموع ما اتفق له كان له ذلك نكالا مانعا من عمل مثله أو أقل منه ، قال الضحاك : أما في الدنيا فأغرقه اللّه تعالى وألقاه بنجوة من الأرض ، أما في العقبى فيدخله اللّه تعالى النار ويجعله ظاهرا على تل منها مغلولا مقيدا ينادي عليه هذا الذي ادعى الربوبية دون اللّه انتهى . وأنا لا أشك أن الحلاج وابن عربي وابن الفارض وأتباعهم يكونون في النار تحتهم وتحت آله يشربون عصارتهم ، فإنهم ادعوا أنه ناج وصدقوه فيما ادعاه وادعوا لأنفسهم وغيرهم مثل ما ادعاه تكذيبا للقرآن وإغراقا في العدوان ، وزادوا عليه بابتذال الاسم الأعظم الذي حماه