تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 627

مساهمون:

ص٦٢٧
بل هم أسرى الهوى المبني على محض الجهل ، وكان قد صرح بذلك عقب العديل الأول ، لمح هنا ، وترك التصريح به لإغناء الأول عنه ، واستدل عليه بدليل خالفوا فيه العادة المستمرة ، والدلالة الشهودية المستقرة ، فقال عاطفا على
وَإِذا مَسَّ
دالا على خفة أحلامهم من وجه آخر غير الأول :
وَإِذا
معبرا بأداة التحقيق إشارة إلى أن الرحمة أكثر من النقمة ، وأسند الفعل إليه في مقام العظمة إشارة إلى سعة جوده فقال :
أَذَقْنَا
وجرى الكلام على النمط الماضي في العموم لمناسبة مقصود السورة في أن الأمر كله له في كل شيء فقال :
النَّاسَ رَحْمَةً
أي نعمة من غنى ونحوه لا سبب لها إلا رحمتنا
فَرِحُوا بِها
أي فرح مطمئن بطر آمن من زوالها ، ناسين شكر من أنعم بها ، وقال :
وَإِنْ
بأداة الشك دلالة على أن المصائب أقل وجودا ، وقال :
تُصِبْهُمْ
غير مسند لها إليه تأديبا لعباده وإعلاما بغزير كرمه
سَيِّئَةٌ
أي شدة تسوءهم من قحط ونحوه . ولما كانت المصائب مسببة عن الذنوب ، قال منبها لهم على ذلك منكرا قنوطهم وهم لا يرجعون عن المعاصي التي عوقبوا بسببها :
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
أي من المخالفات ، مسندا له إلى اليد لأن أكثر العمل بها
إِذا هُمْ
أي بعد ما ساءهم وجودها مساءة نسوا بها ما خولوا فيه من النعم وجملوا به من ملابس الكرم
يَقْنَطُونَ *
أي فاجاؤوا البأس ، مجددين له في كل حين من أحيان نزولها وإن كانوا يدعون ربهم في كشفها ويستعينونه لصرفها مع مشاهدتهم لضد ذلك في كلا الشقين في أنفسهم وغيرهم متكررا ، ولذلك أنكر عليهم عدم الرؤية دالا بواو العطف أن التقدير : ألم يروا في أنفسهم تبدل الأحوال ، قائلا :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
أي بالمشاهدة والإخبار رؤية متكررة ، فيعلموا علما هو في ثباته كالمشاهد المحسوس ، وعبر بالرؤية الصالحة للبصر والبصيرة لأن مقصود السورة إثبات الأمر كله للّه ، ولا يكفي فيه إلا بذل الجهد وإمعان النظر ، والسياق لذم القنوط الذي يكفي في بقية المشاهدة لاختلاف الأحوال ، بخلاف الزمر التي مقصودها الدلالة على صدق الوعد الكافي فيه مطلق العلم . ولما كان في البسط والقبض جمع بين جلال وجمال ، لفت الكلام بذكر الاسم الجامع فقال :
أَنَّ اللَّهَ
بجلاله وعظمته
يَبْسُطُ الرِّزْقَ
أي يكثره
لِمَنْ يَشاءُ
أي من عباده منهم ومن غيرهم
وَيَقْدِرُ
أي يضيق ، وإن هذا شأنه دائما مع الشخص الواحد في أوقات متعاقبة متباعدة ومتقاربة ، ومع الأشخاص ولو في الوقت الواحد ، فلو اعتبروا حال قبضه سبحانه لم يبطروا ، ولو اعتبروا حال بسطه لم يقنطوا ، بل كان حالهم الصبر في البلاء ، والشكر في الرخاء ، والإقلاع عن السيئة التي نزل بسببها القضاء ، فقد عرف