تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
الْقالِينَ *
أي المشهورين ببغض هذا العمل الفاحش ، العريقين في هذا الوصف ، المذكورين بين الناس بمنابذة من يفعله ، لا يردني عن إنكاره تهديدكم لي بإخراج ولا غيره ، والقلاء : بغض شديد كأنه يقلي الفؤاد . ولما بادأهم بمثل هذا الذي من شأنه الإفضاء إلى الشر ، أقبل على من يفعل ذلك لأجله ، وهو القادر على كل شيء العالم بكل شيء ، فقال :
رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا
أي من الجزاء الذي يلحقهم لما
يَعْمَلُونَ * .
ولما قبل سبحانه وتعالى دعاءه ، أشار إلى ذلك بقوله :
فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ
مما عذبناهم به بإخراجنا له من بلدهم حين استخفافهم له ، ولم يؤخره عنهم إلى حين خروجه إلا لأجله ، وعين سبحانه المراد مبينا أن أهله كثير بقوله :
أَجْمَعِينَ *
أي أهل بيته والمتبعين له على دينه
إِلَّا عَجُوزاً
وهي امرأته ، كائنة
فِي
حكم
الْغابِرِينَ *
أي الماكثين الذي تلحقهم الغبرة بما يكون من الداهية فإننا لم ننجها لقضائنا بذلك في الأزل ، لكونها لم تتابعه في الدين ، وكان هواها مع قومها .

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 172 إلى 180 ]

ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ( 172 ) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ( 173 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 174 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 175 ) كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ( 176 ) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 177 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 178 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 179 ) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ( 180 ) ولما ذكر نجاته المفهمة لهلاكهم ، صرح به على وجه هوله بأداة التراخي لما علم غير مرة أنه كان عقب خروجه ، لم يتخلل بينهما مهلة فقال :
ثُمَّ دَمَّرْنَا
أي أهلكنا هلاكا بغتة صلبا أصمّ في غاية النكد ، وما أحسن التعبير عنهم بلفظ
الْآخَرِينَ *
لإفهام تأخرهم من كل وجه . ولما كان معنى
دَمَّرْنَا :
حكمنا بتدميرهم ، عطف عليه قوله :
وَأَمْطَرْنا
ودل على العذاب بتعديته ب « على » فقال :
عَلَيْهِمْ مَطَراً
أي وأي مطر ، ولذلك سبب عنه قوله :
فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ *
أي ما أسوأ مطر الذين خوفهم لوط عليه السّلام بما أشار إليه إنكاره وتعبيره بالتقوى والعدوان . ولما كان في جري المكذبين والمصدقين على نظام واحد من الهلاك والنجاة أعظم عبرة وأكبر موعظة ، أشار إلى ذلك بقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
أي دلالة عظيمة على صدق الرسل في جميع ترغيبهم وترهيبهم وتبشيرهم وتحذيرهم .