الوصف من غير عطف يدل على أنهم غير جازمين بتكذيبه . فالوصفان عندهم بمنزلة شيء واحد كما إذا قيل : الزمان حلو حامض ، أي مر ، ويؤيد كونهم في رتبة الشك لم يتجاوزوها إلى الجزم أو الظن بالتكذيب قولهم :
فَأْتِ بِآيَةٍ
أي علامة تدلنا على صدقك
إِنْ كُنْتَ
أي كونا هو في غاية الرسوخ
مِنَ الصَّادِقِينَ *
أي العريقين في الصدق بخلاف ما يأتي قريبا في قصة شعيب عليه السّلام .
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 155 إلى 163 ]
قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 155 ) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 156 ) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ ( 157 ) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 158 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 159 )
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ ( 160 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 161 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 162 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 163 )
ولما أسرع اللّه تعالى في إجابته حين دعاه أن يعطيهم ما اقترحوا ، أشار إلى ذلك بقوله :
قالَ
أي جوابا لاقتراحهم : تعالوا انظروا ما آتيكم به آية على صدقي ، فأتوا فأخرج اللّه له من الصخرة ناقة عشراء كما اقترحوا ، فقال مشيرا إليها بأداة القرب إشارة إلى سهولة إخراجها وسرعته :
هذِهِ ناقَةٌ
أي أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم ؛ ثم أشار إلى أن في هذه الآية آية أخرى بكونها تشرب ماء البئر كله في يوم وردها وتكف عنه في اليوم الثاني لأجلهم ، بقوله :
لَها شِرْبٌ
أي نصيب من الماء في يوم معلوم
وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ
أي نصيب من الماء في يوم
مَعْلُومٍ *
لا زحام بينكم وبينها في شيء من ذلك .
ولما أرشد السياق إرشادا بيّنا إلى أن المعنى : فخذوا شربكم واتركوا لها شربها ، عطف عليه قوله :
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ
أي كائنا ما كان وإن قل ، لأن ما كان من عند اللّه يجب إكرامه ، ورعايته واحترامه ؛ ثم خوفهم بما يتسبب عن عصيانهم فقال :
فَيَأْخُذَكُمْ
أي يهلككم
عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ *
بسبب ما حل فيه من العذاب ، فهو أبلغ من وصف العذاب بالعظم ، وأشار إلى سرعة عصيانهم بفاء التعقيب في قوله :
فَعَقَرُوها
أي قتلوها بضرب ساقها بالسيف .
ولما تسبب عن عقرها حلول مخايل العذاب ، أخبر عن ندمهم على قتلها من حيث إنه يفضي إلى الهلاك ، لا من حيث إنه معصية للّه ورسوله . فقال :
فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ *
أي على عقرها لتحقق العذاب ؛ وأشار إلى أن ذلك الندم لا على وجه التوبة أو أنه عند رؤية البأس فلم ينفع ، أو أن ذلك كناية عن أن حالهم صار حال النادم ، لا أنه وجد منهم ندم على شيء ما ، فإنه نقل عنهم أنه أتاهم العذاب وهم يحاولون أن يقتلوا صالحا عليه السّلام ، بقوله :
فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ
أي المتوعد به .