سيما قوم هود عليه السّلام الذين هم عرب مثلكم ، وقد بلغت بهم الشدة في أبدانهم ، والصلابة في جميع أركانهم ، إلى أن قالوا
مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
[ فصلت : 15 ] وقد بلغكم ما أنزل بهم سبحانه من بأسه ، لأن العرب أعلم الناس بأخبارهم .
ولما كان حاصل ما مضى الإعلام بالرسالة ، والتحذير من المخالفة ، لأنها تؤدي إلى الضلالة إلى أن ختم ذلك بالإشارة بالتعبير بالجبلة إلى أن عذابه تعالى عظيم ، لا يستعصي عليه صغير ولا كبير ، أجابوه بالقدح في الرسالة أولا ، وباستصغار الوعيد ثانيا ، بأن
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ *
أي الذين كرر سحرهم مرة بعد أخرى حتى اختبلوا ، فصار كلامهم على غير نظام ، أو من المعللين بالطعام والشراب كما مضى في صالح عليه السّلام ، أي فأنت بعيد من الصلاحية للرسالة : ثم أشاروا إلى عدم صلاحية البشر مطلقا لها ولو كانوا أعقل الناس وأبعدهم عن الآفة بقولهم ، عاطفين بالواو إشارة إلى عراقته فيما وصفوه به من جهة السحر والسحر ، وأنه لا فرق بينه وبينهم :
وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
أي فلا وجه لتخصيصك عنا بذلك ، والدليل على أن عطف ذلك أبلغ من اتباعه من غير عطف جزمهم بظن كذبه في قولهم ؛
وَإِنْ
أي وإنّا
نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ *
أي العريقين في الكذب - هذا مذهب البصريين في أن
إِنْ
مخففة من الثقيلة ، والذي يقتضيه السياق ترجح مذهب الكوفيين هنا في أن
إِنْ
نافية ، فإنهم أرادوا بإثبات الواو في
وَما
المبالغة في نفي إرساله بتعداد ما ينافيه ، فيكون مرادهم أنه ليس لنا ظن يتوجه إلى غير الكذب ، وهو أبلغ من إثبات الظن به ، ويؤيده تسبيبهم عنه سؤاله استهزاء به وتعجيزا له إنزال العذاب بخلاف ما تقدم عن قوم صالح عليه السّلام ، فقالوا :
فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً
بإسكان السين على قراءة الجماعة وفتحها في رواية حفص ، وكلاهما جمع كسفة ، أي قطعا
مِنَ السَّماءِ
أي السحاب ، أو الحقيقة ، وهذا الطلب لتصميمهم على التكذيب ، ولو كان فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم فضلا عن طلبه ولا سيما كونه على وجه التهكم ، ولذلك قالوا :
إِنْ كُنْتَ
أي كونا هو لك كالجبلة
مِنَ الصَّادِقِينَ *
أي العريقين في الصدق ، المشهورين فيما بين أهله ، لنصدقك فيما لزم من أمرك لنا باتخاذ الوقاية من العذاب من التهديد بالعذاب ، وما أحسن نظره إلى تهديده لهم بما للّه عليهم من القدرة في خلقهم وخلق من كانوا أشد منهم قوة وإهلاكهم بأنواع العذاب لما عصوه بتكذيب رسله .
ولما كان عذاب العاصي يتوقف على العلم المحيط بأعماله ، والقدرة على نكاله ، استأنف تعالى الحكاية عنه في تنبيهه لهم على ذلك بقوله :
قالَ
مشيرا إلى أنه لا شيء من ذلك إلا إلى من أرسله ، وهو متصف بكلا الوصفين ، وأما هو فإنه وإن كان