ولما كان في الناقة وفي حلول المخايل كما تقدم أعظم دليل على صدق الرسول الداعي إلى اللّه قال :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
أي دلالة عظيمة على صحة ما أمروا به عن اللّه ،
وَما
أي والحال أنه مع ذلك ما
كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * .
ولما كان ربما توهم أنه سبحانه غير متصف بالعزة لعدم قسرهم على الإيمان ، أو بالرحمة لإهلاكهم ، قال :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
أي فلا يخرج شيء من قبضته وإرادته ، وهو الذي أراد لهم الكفر
الرَّحِيمُ *
في كونه لم يهلك أحدا حتى أرسل إليهم رسولا فبين لهم ما يرضاه سبحانه وما يسخطه ، وأبلغ في إنذارهم حتى أقام الحجة بذلك ، ثم هو سبحانه يضل من يشاء لما تعلم من طبعه على ما يقتضي الشقاوة ، ويوفق من علم منه الخير لما يرضيه ، فيتسبب عن ذلك سعادته ، وفي تكريره سبحانه هذه الآية آخر كل قصة على وجه التأكيد وإتباعها ما دلت عليه من كفر من أتى بعد أصحابها . من غير اتعاظ بحالهم ، ولا نكوب عن مثل ضلالهم ، خوفا من نظير نكالهم ، أعظم تسلية لهذا النبي الكريم ، وتخويف لكل عليم حليم ، واستعطاف لكل ذي قلب سليم ، ولذلك قال واصلا بالقصة :
كَذَّبَتْ
أي دأب من تقدم كأنهم تواصوا به
قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ *
لأن من كذب رسولا - كما مضى - فقد كذب الكل ، لتساوي المعجزات في الدلالة على الصدق . وقد صرحت هذه الآية بكفرهم بالتكذيب . وبين إسراعهم في الضلال بقوله :
إِذْ
أي حين
قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ
أي في السكنى في البلد لا في النسب لأنه ابن أخي إبراهيم عليه السّلام ، وهما من بلاد الشرق من بلاد بابل - وكأنه عبر بالأخوة لاختياره لمجاورتهم ، ومناسبتهم بمصاهرتهم ، وإقامته بينهم في مدينتهم مدة مديدة ، وسنين عديدة ، وإتيانه بالأولاد من نسائهم ، مع موافقته لهم في أنه قروي ، ثم بينه بقوله :
لُوطٌ أَ لا تَتَّقُونَ *
أي تخافون اللّه فتجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية .
ولما كان مضمون هذا الدعاء لهم والإنكار عليهم في عدم التقوى علل ذلك بقوله :
إِنِّي لَكُمْ
أي خاصة
رَسُولٌ أَمِينٌ *
أي لا شيء من غش ولا خيانة عندي ، ولذلك سبب عنه قوله :
فَاتَّقُوا اللَّهَ
أي لقدرته على إهلاك من يريد وتعاليه في عظمته
وَأَطِيعُونِ *
أي لأن طاعتي سبب نجاتكم ، لأني لا آمركم إلا بما يرتضيه .
ولا أنهاكم إلا عما يغضبه .
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 164 إلى 171 ]
وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ( 164 ) أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ ( 165 ) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ( 166 ) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ( 167 ) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ ( 168 )
رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ ( 169 ) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ( 170 ) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ ( 171 )