يبقى عذر لإنسان ، رجاء النزوع عن الطغيان ، والرجوع إلى الإيمان ، لأن من العادة الجارية السكون إلى الإنصاف ، والرجوع إلى الحق والاعتراف
أَ وَلَوْ
أي أتسجنني ولو
جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ *
أي لرسالتي
قالَ
طمعا في أن يجد موضعا للتكذيب أو التلبيس :
فَأْتِ بِهِ
أي تسبب عن قولك هذا أني أقول لك : ائت بذلك الشيء
إِنْ كُنْتَ
أي كونا أنت راسخ فيه
مِنَ الصَّادِقِينَ *
أي فيما ادعيت من الرسالة والبينة ، وهذا إشارة إلى أنه بكلامه المتقدم قد صار عنده في غير عدادهم ، ولزم عليه أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق لأنها تصديق من اللّه للمدعي ، وعادته سبحانه وتعالى جارية في أنه لا يصدق الكاذب
فَأَلْقى
أي فتسبب عن ذلك وتعقبه أن ألقى .
ولما كان الكلام مع موسى عليه السّلام ، فكان إضماره غير ملبس ، لم يصرح باسمه اكتفاء بضميره فقال :
عَصاهُ
أي التي تقدم في غير سورة أن اللّه تعالى أراه آياتها
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ
أي حية في غاية الكبر
مُبِينٌ *
أي ظاهر الثعبانية ، لا شك عند رائيه فيه ، لا كما يكون عند الأمور السحرية من التخييلات والتشبيهات
وَنَزَعَ يَدَهُ
أي التي كانت احترقت لما أخذ الجمرة وهو في حجر فرعون ، وبذل فرعون جهده في علاجها بجميع من قدر عليه من الأطباء فعجز عن إبرائها ، نزعها من جيبه بعد أن أراه إياها على ما يعهده منها ثم أدخلها في جيبه
فَإِذا هِيَ
بعد النزع
بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ *
أي بياضا تتوفر الدواعي على نظره لخروجه عن العادة بأن له نورا كنور الشمس يكاد يغشي الأبصار
قالَ
أي فرعون
لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ
لما وضح له الأمر ، يموه على عقولهم خوفا من إيمانهم :
إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ *
أي شديد المعرفة بالسحر ، وخص في هذه السورة إسناد هذا الكلام إليه لأن السياق كله لتخصيصه بالخطاب لما تقدم ، ونظرا إلى
فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ
لأن خضوعه هو خضوع من دونه ، فدلالته على ذلك أظهر ، ولا ينفي ذلك أن يكون قومه قالوه إظهاره للطواعية - كما مضى في الأعراف .
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 35 إلى 44 ]
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ ( 35 ) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 36 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ( 37 ) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 38 ) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ( 39 )
لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ ( 40 ) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 41 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 42 ) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 43 ) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ ( 44 )
ولما أوقفهم بما خيلهم به ، أحماهم لأنفسهم فقال ملقيا لجلباب الأنفة لما قهره