تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ
أي تبتلع في الحال بسرعة ونهمة
ما يَأْفِكُونَ *
أي يصرفونه عن وجهه وحقيقته التي هي الجمادية بحيلهم وتخييلهم إلى ظن أنه حيات تسعى
فَأُلْقِيَ
أي عقب فعلها من غير تلبث
السَّحَرَةُ ساجِدِينَ *
أي فسجدوا بسرعة عظيمة حتى كأن ملقيا ألقاهم بغير اختيارهم من قوة إسراعهم ، علما منهم بأن هذا من عند اللّه ، فأمسوا أتقياء بررة ، بعد ما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة . ولما كان كأنه قيل : هذا فعلهم ، فما كان قولهم ؟ قيل :
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ *
أي الذي دعا إليه موسى عليه السّلام أول ما تكلم ؛ ثم خصوه كشفا لتلبيس فرعون بما لا يحتمل غيره فقالوا بيانا :
رَبِّ
ولم يدع داع هنا إلى العدول عن الأصل ، فقال عبارة عن كلامهم :
مُوسى وَهارُونَ *
أي اللذين أحسنا إلينا بالتنبيه عليه ، والهداية إليه ، وصدقهما بما أجرى على أيديهما . ولما خاف فرعون اتباع الناس لهم ، لما يرون مما هالهم من أمرهم ، وكان قد تقدم ما يعرف أن المنكر عليهم فرعون نفسه ، قال تعالى مخبرا عنه :
قالَ
من غير ذكر الفاعل - أي فرعون - لعدم اللبس ، ومقصود السورة غير مقتض للتصريح كما في الأعراف بل ملائم للإعراض عنه والإراحة منه ، منكرا مبادرا موهما لأنه إنما يعاقب على المبادرة بغير إذن ، لا على نفس الفعل ، وأنه ما غرضه إلا التثبت ليؤخر بهذا التخييل الناس عن المبادرة بالإيمان إلى وقت ما
آمَنْتُمْ لَهُ
أي لموسى عليه السّلام ، أفرده بالضمير لأنه الأصل في هذه الرسالة ، وحقيقة الكلام : أوقعتم التصديق بما أخبر به عن اللّه لأجله إعظاما له بذلك
قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
أي في الإيمان ؛ ثم علل فعلهم بما يقتضي أنه عن مكر وخداع ، لا عن حسن اتباع ، فقال :
إِنَّهُ
أي موسى عليه السّلام
لَكَبِيرُكُمُ .
ولما كان هذا مشعرا بنسبته له إلى السحر ، وأنه أعلم منهم به ، فلذلك غلبهم ، أوضحه بقوله :
الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
فتواعدتم معه على هذا الفعل ، لتنزعوا الملك من أربابه ، هذا وكل من سمعه يعلم كذبه قطعا ، فإن موسى عليه السّلام ما ربي إلا في بيته ، واستمرّ حتى فر منهم إلى مدين ، لا يعلم سحرا ، ولا ألم بساحر ، ولا سافر إلا إلى مدين ، ثم لم يرجع إلا داعيا إلى اللّه ، ولكن الكذب غالب على قطر مصر ، وأهلها أسرع شيء سماعا له وانقيادا به . ولما أوقف السامعين بما خيلهم به من هذا الباطل المعلوم البطلان لكل ذي بصيرة ، أكد المنع بالتهديد فقال :
فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ *
أي ما أفعل بكم ، أي فتسبب عما فعلتم أني أعاقبكم عقوبة محققة عظيمة ، وأتى بأداة التنفيس خشية من أن لا يقدر
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 360 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي