تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
أفعاله ، كما كان فرعون يعرف ، لقول موسى عليه السّلام
لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الإسراء : 102 ] :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ *
أي الذي زعمت أنكما رسوله . فسأل ب « ما » عن حقيقته وإنما أراد في الحقيقة إنكاره . ولما كان تعريف حقيقته سبحانه بنفسها محالا لعدم التركيب ، فكان تعريفها لا يصح إلا بالخارج اللازم الجلي ، تشوف السامع إلى ما يجيب به عنه ، فاستأنف قوله إخبارا عنه :
قالَ
أي موسى معرضا عن التعريف بغير الأفعال إعلاما بأنه لا شبيه له ، وأنه مباين وجوده لوجود كل شيء سواه ، معرفا له سبحانه بأظهر أفعاله مما لا يقدر أحد على ادعاء المشاركة فيه ، مشيرا إلى خطابه في طلب الماهية بأنه لا مماثل له : أقول لك ولمن أردت بطلب الحقيقة التمويه عليهم : هو
رَبُّ
أي خالق ومبدع ومدبر
السَّماواتِ
كلها
وَالْأَرْضِ
وإن تباعدت أجرامها بعضها عن بعض
وَما بَيْنَهُمَا
وذلك أظهر العالم الذي هو صنعته وأنتم غير مستغنين عنه طرفة عين ، فهذه هي المنة ، لا منتك عليّ بالتربية إلى حين استغنيت عنك ، وهذا هو الاستعباد بالإحسان ، مع العصيان بالكفران ، لا استعبادك لقومي بإهلاكهم وهم في طاعتك ، ولسلفهم عليكم من المنة ما لا تجهلونه
إِنْ كُنْتُمْ
أي كونا راسخا
مُوقِنِينَ *
أي متصفين بما عليه أهل العلم بأصول الدين من الثقة بما تعتقدون اتصافا ثابتا ، والجواب : علمتم ذلك ، وعلمتم أنه لا جواب أسد منه ، لأن المذكور متغير ، فله مغير لا يتغير ، وهو هذا الذي أرسلنا ، أي إن كان لكم يقين فأنتم تعرفونه ، لشدة ظهوره ، وعموم نوره
قالَ
أي فرعون
لِمَنْ حَوْلَهُ
من أشراف قومه مموها أيضا :
أَ لا تَسْتَمِعُونَ *
أي تصغون إليه بجميع جهدكم ، وهو كلام ظاهره أنه نبههم عن الإنكار ، لأنه سأل عن الماهية ، فأجيب بغيرها ، ويحتمل غير ذلك لو ضويق فيه ، فهو من خفيّ مكره .

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 26 إلى 34 ]

قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 26 ) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 ) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ( 30 ) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 31 ) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 32 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 33 ) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 34 ) ولما وبخ اللعين في جوابه ، وكان ربما ادعى أن الخافقين وما بينهما من الفضاء غير مخلوق ، فتشوف السامع إلى جواب يلزمه ، استأنف الشفاء لعيّ هذا السؤال بقوله :
قالَ
أي موسى ، مخصصا بعد ما عمم بشيء لا تمكن المنازعة فيه لمشاهدة وجود