وهم في غاية الجحود - بالغ الذروة من الاستهزاء ، فصار المراد عندهم أن هذا الذي ادعاه من الرسالة مما لا يجوز أن يعتقد . ثم استأنفوا معجبين من أنفسهم ، مخيلين غيرهم من الالتفات إلى ما يأتي به من المعجزات ، قائلين :
إِنْ
أي إنه
كادَ
وعرّف بأن « إن » مخففة لا نافية باللام فقال :
لَيُضِلُّنا
أي بما يأتي به من هذه الخوارق التي لا يقدر غيره على مثلها ، واجتهاده في إظهار النصح
عَنْ آلِهَتِنا
هذه التي سبق إلى عبادتها من هو أفضل منا رأيا وأكثر للأمور تجربة . ولما كانت هذه العبارة مفهمة لمقاربة الصرف عن الأصنام ، نفوه بقولهم :
لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا
بما لنا من الاجتماع والتعاضد
عَلَيْها
أي على التمسك بعبادتها .
ولما لزم قولهم هذا أن الأصنام تغني عنهم ، نفاه مهددا مؤكدا التهديد لفظاعة فعلهم بقوله ، عطفا على ما تقديره : فسوف يرون - أو من يرى منهم - أكثرهم قد رجع عن اعتقاد أن هذه الأصنام آلهة :
وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
أي في حال لا ينفعهم فيه العمل وإن طالت مدة الإمهال والتمكين
حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ
أي في الدنيا والآخرة
مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا *
هم أو الداعي لهم إلى ترك الأصنام الذي ادعوا إضلاله بقولهم
لَيُضِلُّنا .
ولما أخبره تعالى بحقيقة حالهم ، في ابتدائهم ومآلهم ، وكان ذلك مما يحزنه صلّى اللّه عليه وسلّم لشدة حرصه على رجوعهم ، ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم ، سلاه بقوله معجبا من حالهم :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
أي كلف نفسه أن أخذ
إِلهَهُ هَواهُ
أي أنهم حقروا الإله بإنزاله إلى رتبة الهوى فهم لا يعبدون إلا الهوى ، وهو ميل الشهوة ورمي النفس إلى الشيء ، لا شبهة لهم أصلا في عبادة الأصنام يرجعون عنها إذا جلت ، فهم لا ينفكون عن عبادتها ما دام هواهم موجودا ، فلا يقدر على كفهم عن ذلك إلا القادر على صرف تلك الأهواء ، وهو اللّه وحده وهذا كما تقول : فلان اتخذ سميره كتابه ، أي أنه قصر نفسه على مسامرة الكتاب فلا يسامر غير الكتاب ، وقد يشاركه في مسامرة الكتاب غيره ، ولو قلت : اتخذ كتابه سميره ، لانعكس الحال فكان المعنى أنه قصر نفسه على مطالعة السمير ولم ينظر في كتاب في وقت السمر وقد يشاركه غيره في السمير ، أو قصر السمير على الكتاب والكتاب على السمير كما قصر الطين على الخزفية في قولك :
اتخذت الطين خزفا ، فالمعنى أن هذا المذموم قصر نفسه على تأله الهوى فلا صلاح له ولا رشاد وقد يتأله الهوى غيره ، ولو قيل : من اتخذ هواه إلهه ، لكان المعنى أنه قصر هواه على الإله فلا غيّ له ، لأن هواه تابع لأمر الإله ، وقد يشاركه في تأله الإله غيره ؛ قال أبو حيان : والمعنى أنه لم يتخذ إلها إلا هواه - انتهى . فلو عكس لقيل : لم يتخذ