تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
فكذلك الإنسان - وإن كان عاقلا ذا بصيرة - لا تدرك بصيرته المعاني المعلومات على ما هي عليه ما لم يشرق عليها نور الإيمان ، لأن البصيرة عين الروح كما أن البصر عين الجسد ؛ ولما كان من المعلوم أنهم يسمعون ويعقلون وأن المنفي إنما هو انتفاعهم بذلك ، كان موضع عجب من صرفهم عن ذلك ، فعقبه سبحانه بتصرفه في الأمور الحسية مثالا للأمور المعنوية ، ولأن عمله في الباطن ينيره إذا شاء بشمس المعارف كعمله في الظاهر سواء ، دليلا على سلبهم النفع بما أعطاهموه .

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 45 إلى 46 ]

أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) ولما بين جمود المعترضين على دلائل الصانع ، وتناهي جهلهم ، وفساد طريقهم ، وكان المراد من العبد في تعرف ذلك أن ينظر في أفعال سيده بعين الحقيقة نظرا تفنى لديه الأغيار ، فلا يرى إلا الفاعل المختار ، خاطب رأس المخلصين الناظرين هذا النظر ، حثا لأهل وده على مثل ذلك ، فقال ذاكرا لأنواع من الدلائل الدالة على وجود الصانع ، وإحاطة علمه ، وشمول قدرته ، مشيرا إلى أن الناظر في هذا الدليل - لوضوحه في الدلالة على الخالق - كالناظر إلى الخالق ، معبرا بوصف الإحسان تشويقا إلى إدامة النظر إليه والإقبال عليه :
أَ لَمْ تَرَ
وأشار إلى عظم المقام وعلو الرتبة بحرف الغاية مع أقرب الخلق منزلة وأعلاهم مقاما فقال :
إِلى رَبِّكَ
أي المحسن إليك ، والأصل : إلى فعله ؛ وأشار إلى زيادة التعجب من أمره بجعله في معرض الاستفهام فقال :
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
وهو ظلمة ما منع ملاقاة نور الشمس ، قال أبو عبيد : وهو ما تنسخه الشمس وهو بالغداة ، والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال . والظل هنا الليل لأنه ظل الأرض الممدود على قريب من نصف وجهها مدة تحجب نور الشمس بما قابل قرصها من الأرض حتى امتد بساطه ، وضرب فسطاطه ، كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم ، وغفلة طباعهم نفوذ أسماعهم
وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ
أي الظل
ساكِناً
بإدامة الليل لا تذهبه الشمس كما في الجنة لقوله
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
[ الواقعة : 30 ] وإن كان بينهما فرق ، ولكنه لم يشأ ذلك بل جعله متحركا بسوق الشمس له . ولما كان إيجاد النهار بعد إعدامه ، وتبيين الظل به غبّ إبهامه ، أمرا عظيما ، وإن كان قد هان بكثرة الإلف ، أشار إليه بأداة التراخي ومقام العظمة فقال :
ثُمَّ جَعَلْنَا
أي بعظمتنا
الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا *
أي يدور معها حيثما دارت ، فلولا هي ما ظهر أن لشيء ظلّا ، ولولا النور ما عرف الظلام ، والأشياء تعرف بأضدادها .