تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
ولما كانت إزالته شيئا فشيئا بعد مدة كذلك من العظمة بمكان . قال منبها على فضل مدخول « ثم » وترتبه متصاعدا في درج الفضل ، فما هنا أفضل مما قبله ، وما قبله أجلّ مما تقدمه ، تشبيها لتباعد ما بين المراتب الثلاث في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت :
ثُمَّ قَبَضْناهُ
أي الظل ، والقبض : جمع المنبسط
إِلَيْنا
أي إلى الجهة التي نريدها ، لا يقدر أحد غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها ؛ قال الرازي رحمه اللّه في اللوامع : وهذه الإضافة لأن غاية قصر الظل عند غاية تعالي الشمس ، والعلو موضع الملائكة وجهة السماء التي فيها أرزاق العباد ، ومنها نزول الغيث والغياث ، وإليها ترتفع أيدي الراغبين ، وتشخص أبصار الخائفين - انتهى .
قَبْضاً يَسِيراً *
أي هو - مع كونه في القلة بحيث يعسر إدراكه حق الإدراك - سهل علينا ، ولم نزل ننقصه شيئا فشيئا حتى اضمحل كله ، أو إلا يسيرا ، ثم مددناه أيضا بسير الشمس وحجبها ببساط الأرض قليلا قليلا ، أولا فأولا بالجبال والأبنية والأشجار ، ثم بالروابي والآكام والظراب وما دون ذلك ، حتى تكامل كما كان ، وفي تقديره هكذا من المنافع ما لا يحصى ، ولو قبض لتعطلت أكثر منافع الناس بالظل والشمس جميعا ، فالحاصل أنه يجعل بواطنهم مظلمة بحجبها عن أنوار المعارف فيصيرون كالماشي في الظلام ، ويكون نفوذهم في الأمور الدنيوية كالماشي بالليل في طرق قد عرفها ودربها بالتكرار ، وحديث علي رضي اللّه عنه في الروح الذي مضى عند « والطيبات للطيبين » في النور شاهد حسي لهذا الأمر المعنوي - واللّه الموفق .

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 47 إلى 50 ]

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 ) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 50 ) ولما تضمنت هذه الآية الليل والنهار ، قال مصرحا بهما دليلا على الحق ، وإظهارا للنعمة على الخلق :
وَهُوَ
أي ربك وحده
الَّذِي جَعَلَ
ولما كان ما مضى في الظل أمرا دقيقا فخص به أهله ، وكان أمر الليل والنهار ظاهرا لكل أحد ، عم فقال :
لَكُمُ اللَّيْلَ
أي الذي تكامل به مد الظل
لِباساً
أي ساترا للأشياء عن الأبصار كما يستر اللباس
وَالنَّوْمَ سُباتاً
أي نوما وسكونا وراحة ، عبارة عن كونه موتا أصغر طاويا لما كان من الإحساس ، قاطعا عما كان من الشعور والتقلب ، دليلا لأهل البصائر على الموت ؛ قال البغوي وغيره : وأصل السبت القطع . وفي جعله سبحانه كذلك من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يعد ، وكذا قوله :
وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً *
أي حياة وحركة