بحرف التحقيق ، إشارة إلى أنهم لعدم الانتفاع بالآيات كالمنكرين للمحسوسات ، وغير الأسلوب تنبيها على عظيم الشأن وهزا للسامع فقال :
وَلَقَدْ أَتَوْا
أي هؤلاء المكذبون من قومك ، وقال :
عَلَى الْقَرْيَةِ
- وإن كانت مدائن سبعا أو خمسا كما قيل - تحقيرا لشأنها في جنب قدرته سبحانه ، وإهانة لمن يريد عذابه ، ودلالة على جمع الفاحشة لهم حتى كانوا كأنهم شيء واحد كما دل عليه التعبير بمادة « قرا » الدالة على الجمع
الَّتِي أُمْطِرَتْ
أي وقع إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار سواه بالحجارة ، ولذا قال :
مَطَرَ السَّوْءِ
وهي قرى قوم لوط ، ثم خسف بها وغمرت بما ليس في الأرض مثله في أنواع الخبث ؛ قال البغوي : كانت خمس قرى فأهلك اللّه أربعا منها ونجت واحدة وهي أصغرها ، وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث .
ولما كانوا يمرون عليها في أسفارهم ، وكان من حقهم أن يتعظوا بحالهم ، فيرجعوا عن ضلالهم ، تسبب عن ذلك استحقاقهم للإنكار الشديد في قوله :
أَ فَلَمْ يَكُونُوا
أي بما في جبلاتهم من الأخلاق العالية
يَرَوْنَها
أي في أسفارهم إلى الشام ليعتبروا بما حل بأهلها من عذاب اللّه فيتوبوا .
ولما كان التقدير : بل رأوها ، أضرب عنه بقوله :
بَلْ
أي لم يكن تكذيبهم بسبب عدم رؤيتها وعدم علمهم بما حل بأهلها ، بل بسبب أنهم
كانُوا
يكذبون بالقيامة كأنه لهم طبع .
ولما كما عود الإنسان إلى ما كان من صحته محبوبا له ، كان ينبغي لهم لو عقلوا أن يعلقوا رجاءهم بالبعث لأنه لا رجوع إلى الحياة ، فهو كرجوع المريض لا سيما المدنف إلى الصحة ، فلذلك قال معبرا بالرجاء تنبيها على هذا :
لا يَرْجُونَ نُشُوراً *
بعد الموت ليخافوا اللّه عز وجل فيخلصوا له فيجازيهم على ذلك ، لأنه استقر في أنفسهم اعتقادهم التكذيب بالآخرة ، واستمروا عليه قرنا بعد قرن حتى تمكن تمكنا لا ينفع معه الاعتبار إلا لمن شاء اللّه .
ولما أثبت تكذيبهم بالآخرة ، عطف عليه تحقيقا له قوله ، مبينا أنهم لم يقتصروا على التكذيب بالممكن المحبوب حتى ضموا إليه الاستهزاء بمن لا يمكن أصلا في العادة أن يكون موضعا للهزء :
وَإِذا رَأَوْكَ
أي مع ما يعلمون من صدق حديثك وكرم أفعالك لو لم تأتهم بمعجزة ، فكيف وقد أتيتهم بما بهر العقول
إِنْ
أي ما
يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً
عبر بالمصدر إشارة إلى مبالغتهم في الاستهزاء مع شدة بعده صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ، يقولون محتقرين :
أَ هذَا
وتهكموا مع الإنكار في قولهم
الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ
أي المستجمع لنعوت العظمة
رَسُولًا *
فإخراجهم الكلام في معرض التسليم والإقرار -