عبثا ، ثم علل ذلك بقوله :
إِنَّكُمْ مِنَّا
أي خاصة
لا تُنْصَرُونَ *
أي بوجه من الوجوه ، ومن عدم نصرنا لم يجد له ناصرا ، فلا فائدة لجؤاره إلا إظهار الجزع ؛ ثم علل عدم نصره لهم بقوله :
قَدْ كانَتْ آياتِي .
ولما كانت عظمتها التي استحقت بها الإضافة إليه تكفي في الحث على الإيمان بمجرد سماعها ، بنى للمفعول قوله :
تُتْلى عَلَيْكُمْ
أي وهي أجلى الأشياء ، من أوليائي وهم الهداة النصحاء
فَكُنْتُمْ
أي كونا هو كالجبلة
عَلى أَعْقابِكُمْ
عند تلاوتها
تَنْكِصُونَ *
أي ترجعون القهقرى إما حسا أو معنى ، والماشي كذلك لا ينظر ما وراءه ، ومضارعه فيه مع الكسر الضم ولم يقرأ به ولو شاذا ، دلالة على أنه رجوع كبر وبطر فهو بالهوينا ، ولو قرىء بالضم لدل على القوة فأفهم النفرة والهرب ، قال في القاموس : نكص على عقبيه ينكص وينكص : رجع عما كان عليه من خير ، وفي الشر قليل ، وعن الأمر نكصا ونكوصا ونكاصا .
أو على ما ذكرت دلالة على ما تقديره : حال كونكم
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ
أي بذلك النكوص ، لا شيء غير الاستكبار من هرب أو غيره ، ذوي سمر في أمرها بالقول الهجر ، وهو الفاحش ، ولعله إنما قال :
سامِراً
بلفظ المفرد لأن كلّا منهم يتحدث في أمر الآيات مجتمعا مع غيره ومنفردا مع نفسه حديثا كثيرا كحديث المسامر الذي من شأنه أن لا يمل ؛ وقال :
تَهْجُرُونَ *
أي تعرضون عنها وتقولون فيها القول الفاحش ، فأسنده إلى الجمع لأن بعضهم كان يستمعها ، ولم يكن يفحش القول فيها ، أو تعجيبا من أن يجتمع جمع على مثل ذلك لأن الجمع جدير بأن يوجد فيه من يبصر الحق فيأمر به .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 68 إلى 72 ]
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 69 ) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ( 70 ) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ( 71 ) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 72 )
ولما كانت الآيات - لما فيها من البلاغة المعجزة ، والحكم المعجبة داعية إلى تقبلها بعد تأملها ، وكانوا يعرضون عنها ويفحشون في وصفها تارة بالسحر وأخرى بالشعر ، وكرة بالكهانة ومرة بغيرها ، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم فقال معرضا عنهم إيذانا بالغضب مسندا إلى الجمع الذي هو أولى بإلقاء السمع :
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ
أي المتلو عليهم بأن ينظروا في أدباره وعواقبه ولو لم يبلغوا في نظرهم الغاية بما أشار إليه