ولما ذكر أهل الافتراق ، أتبعهم أهل الاتفاق ، فكان كأنه قيل : فمن الذي يكون له الخيرات ؟ فأجيب بأنه الخائف من اللّه ، فقيل معبرا بما يناسب أول السورة من الأوصاف ، بادئا بالخشية لأنها الحاملة على تجديد الإيمان :
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ
أي ببواطنهم
مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ
أي الخوف العظيم من المحسن إليهم المنعم عليهم
مُشْفِقُونَ *
أي دائمو الحذر
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ
المسموعة والمرئية ، لا ما كان من جهة غيره
يُؤْمِنُونَ *
لا يزال إيمانهم بها يتجدد شكرا لإحسانه إليهم .
ولما كان المؤمن قد يعرض له ما تقدم في إيمانه من شرك جلي أو خفي ، قال :
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ
أي الذي لا محسن إليهم غيره وحده
لا يُشْرِكُونَ *
أي شيئا من شرك في وقت من الأوقات كما لم يشركه في إحسانه إليهم أحد .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 60 إلى 67 ]
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ( 60 ) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ( 61 ) وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 62 ) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ ( 63 ) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ( 64 )
لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ( 65 ) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ( 66 ) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ ( 67 )
ولما أثبت لهم الإيمان الخالص ، نفى عنهم العجب بقوله :
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا
أي يعطون ما أعطوا من الطاعات ، وكذا قراءة يحيى بن الحارث وغيره : يأتون ما أتوا ، أي يفعلون ما فعلوا من أعمال البر لتتفق القراءتان في الإخبار عنهم بالسبق ؛ ثم ذكر حالهم فقال :
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
أي شديدة الخوف ، قد ولج في دواخلها وجال في كل جزء منها لأنهم عالمون بأنهم لا يقدرون اللّه حق قدره وإن اجتهدوا ، ثم علل ذلك بقوله :
أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ
أي الذي طال إحسانه إليهم
راجِعُونَ *
بالبعث فيحاسبهم على النقير والقطمير ، ويجزيهم بكل قليل وكثير وهو النافذ البصير ، قال الحسن البصري : إن المؤمن جمع إيمانا وخشية ، والمنافق جمع إساءة وأمنا . ثم أثبت لهم ما أفهم أن ضده لأضدادهم فقال :
أُولئِكَ
أي خاصة
يُسارِعُونَ
أي يسبقون سبق من يساجل آخر
فِي الْخَيْراتِ
فأفهم ذلك ضد ما ذكر لأضدادهم بقوله :
وَهُمْ لَها
أي إليها خاصة ، أي إلى ثمراتها ، ولكنه عبر باللام إشارة إلى زيادة القرب منها والوصول إليها مع الأمن لجعل الخيرات ظرفا للمسارعة من أخذها على حقيقتها للتعدية
سابِقُونَ *
لجميع الناس ، لأنا نحن نسارع لهم في المسببات أعظم من مسارعتهم في الأسباب ، ويجوز أن يكون
سابِقُونَ
بمعنى : عالين ، من وادي « سبقت رحمتي