تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
الإدغام ، ليعلموا أنه موجب للإقبال والوصال ، والوصف بأحسن المقال ، ولعله عبر بالقول إشارة إلى أن من لم يتقبله ليس بأهل لفهم شيء من القول بل هو في عداد البهائم
أَمْ جاءَهُمْ
في هذا القول من الأوامر بالتوحيد الآتي بها الرسول الذي هو من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السّلام وما ترتب على ذلك من الأوامر التي لا يجهل حسن فعلها عاقل ، والنواهي التي - كما يشهد بقبح إتيانها العالم - يقطع بها الجاهل ، وبالرسالة برسول من البشر
ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ *
الذين بعد إسماعيل وقبله . ولما كان الرجل الكامل من عرف الرجال بالحق ، بدأ بما أشار إليه ثم أعقبه بمن يعرف الشيء للألف به ، ثم بمن يعرف الحق بالرجال فقال :
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ
أي الذي أتاهم بهذا القول الذي لا قول مثله ، ويعرفوا نسبه وصدقه وأمانته ، وما فاتهم به من معالي الأخلاق حتى أنهم لا يجدون فيه - إذا حقت الحقائق - نقيصة يذكرونها ، ولا صمة يتخيلونها ، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح منها حديث أبي سفيان بن حرب رضي اللّه عنه الذي في أول البخاري في سؤال هرقل ملك الروم له عن شأنه صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 »
فَهُمْ
أي فتسبب عن جهلهم به أنهم
لَهُ
أي نفسه أو للقول الذي أتى به
مُنْكِرُونَ *
فيكونوا ممن جهل الحق لجهل حال الآتي به ، فلم يحرز شيئا من رتبتي الناس ، لا رتبة العلماء الناقدين ، ولا رتبة الجهال المتقلدين ، وفي هذا غاية التوبيخ لهم بجهلهم وبعنادهم بأنهم يعرفون أنه أصدق الخلق وأعلاهم في كل معنى جميل ثم يكذبونه . ولما فرغ بما قد يجر إلى الطعن في القول أو القائل ، أشار إلى العناد في أمر القائل والقول والرسول بقوله :
أَمْ يَقُولُونَ
أي بعد تدبر ما أتى به وعدم عثورهم فيه على وجه من وجوه الطعن
بِهِ
أي برسولهم
جِنَّةٌ
أي فلا يوثق به لأنه قد يخلط فيأتي بما فيه مطعن وإن خفي وجه الطعن فيه في الحال . ولما كانت جميع هذه الأقسام منتفية ولا سيما الأخير المستلزم عادة للتخليط المستلزم للباطل ، فإنهم أعرف الناس بهذا الرسول الكريم وأنه أكملهم خلقا ، وأشرفهم خلقا ، وأطهرهم شيما ، وأعظمهم همما ، وأرجحهم عقلا ، وأمتنهم رأيا وأرضاهم قولا ، وأصوبهم فعلا ، أضرب عنها وقال :
بَلْ
أي لم ينكصوا عند سماع الآيات ويسمروا ويهجروا لاعتقاد شيء مما مضى ، وإنما فعلوا ذلك لأن هذا الرسول الكريم
جاءَهُمْ بِالْحَقِّ
الذي لا تخليط فيه بوجه ، ولا شيء أثبت منه ولا أبين مما فيه من
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري برقم 271 في كتاب الإيمان عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما .